تشهد القضية الجنوبية في هذه المرحلة المفصلية تحديات غير مسبوقة، في ظل ما يصفه مراقبون وناشطون جنوبيون بمحاولات تقودها سلطات الأمر الواقع المدعومة سعوديًا في الجنوب لتجاوز الإرادة الشعبية الجنوبية والالتفاف على أهداف شعب الجنوب وتطلعاته الوطنية. وتتصاعد الانتقادات لتلك السلطات بسبب ما يعتبره جنوبيون انتهاجها سياسات تقوم على الاستقطاب السياسي وشراء الولاءات وإثارة الخلافات المناطقية والاجتماعية، بما يسهم في إضعاف وحدة الصف الجنوبي وتشتيت جهوده الوطنية، في وقت يؤكد فيه أبناء الجنوب تمسكهم بحقهم في استعادة دولتهم وهويتهم الوطنية والدفاع عن قضيتهم التي قدموا من أجلها آلاف الشهداء والجرحى على مدى سنوات طويلة من النضال.
أو بصيغة أكثر قوة وحماسًا:
تمر القضية الجنوبية بمرحلة دقيقة وحاسمة من تاريخها السياسي، في ظل تصاعد ما يراه أبناء الجنوب محاولات ممنهجة من قبل سلطات الأمر الواقع المدعومة سعوديًا في الجنوب لإضعاف المشروع الوطني الجنوبي وتقويض تطلعات شعب الجنوب نحو استعادة دولته المستقلة. وتتهم هذه السلطات بممارسة سياسات تقوم على تفكيك النسيج الوطني الجنوبي وشراء الذمم وإشعال الخلافات البينية بهدف تشتيت الجهود الجنوبية وإفراغ القضية من مضمونها السياسي والوطني، غير أن تلك المحاولات تصطدم بإرادة شعبية جنوبية متنامية تتمسك بحقوقها الوطنية وترفض أي وصاية أو مشاريع تنتقص من حق الجنوب في تقرير مصيره واستعادة مكانته بين الأمم.
ويرى سياسيون أن هذه المرحلة تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة القوى الجنوبية على الحفاظ على ثوابتها الوطنية، خصوصًا مع تنامي الشعور الشعبي بأن هناك محاولات ممنهجة لتقويض القضية الجنوبية وإفراغها من مضمونها السياسي والوطني الذي تشكل عبر عقود من النضال والتضحيات.
وفي خضم هذا المشهد، برزت شخصيات جنوبية على الأرض ذات حضور وطني واسع رفضت تلك السياسات بصورة علنية، وكان من أبرزها الشيخ عبدالرب النقيب، شيخ مشايخ قبائل يافع، الذي أطلق خلال مشاركته في مهرجان يافع التراثي رسائل سياسية قوية لاقت صدى واسعًا في الأوساط الشعبية والإعلامية.
وأكد النقيب في كلمته أن الجنوب تعرض لما وصفه باعتداءات سعودية أسفرت عن سقوط مئات الشهداء من العسكريين والمدنيين الجنوبيين، مشددًا على أن الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن تبرير الانتهاكات أو محاولة تبييضها يمثل إساءة لدماء الضحايا وتنكرًا لمعاناتهم.
كما وجه رسالة سياسية واضحة بشأن العلاقة المستقبلية مع المملكة العربية السعودية، مؤكدًا أن أبناء الجنوب يتطلعون إلى علاقات أخوية قائمة على الاحترام المتبادل والاعتراف بالإرادة الجنوبية، لا على إدارة الجنوب عبر مسؤولين أو شخصيات تفرض من الخارج.
تفاعل واسع مع خطاب النقيب
أثارت تصريحات الشيخ عبدالرب النقيب موجة واسعة من التفاعل بين ناشطين وإعلاميين وسياسيين جنوبيين، الذين اعتبروا أن ما طرحه يعكس موقفًا شعبيًا متناميًا في مختلف المحافظات الجنوبية.
وركزت معظم ردود الفعل على ملف الضحايا الذين سقطوا خلال احداث حضرموت الأخيرة ، مؤكدين أن العدالة والإنصاف يمثلان مطلبًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه ضمن أي تسوية سياسية مستقبلية.
واعتبر ناشطون أن الذاكرة الجمعية الجنوبية ما تزال تحتفظ بتفاصيل تلك الأحداث، وأن أي محاولة لتجاوزها أو القفز عليها ستواجه برفض شعبي واسع، لأن حقوق الضحايا وأسرهم تمثل جزءًا من القضية الوطنية الجنوبية نفسها.
عبدالرب النقيب.. من المشيخة الاجتماعية إلى المرجعية الوطنية
وفي سياق الدفاع عن مكانة الشيخ عبدالرب النقيب، أكد الأستاذ شكري باعلي، رئيس الهيئة السياسية بالمجلس الانتقالي الجنوبي العربي، أن النقيب تجاوز منذ سنوات حدود الدور الاجتماعي التقليدي للمشايخ، وتحول إلى مرجعية سياسية ووطنية مرتبطة بمسيرة النضال الجنوبي.
وأشار باعلي إلى أن الفرق كبير بين من يحمل لقبًا اجتماعيًا وبين من صنعته المواقف الوطنية عبر سنوات طويلة من الحضور في مختلف المحطات المفصلية التي مرت بها القضية الجنوبية.
وأضاف أن مكانة القيادات الوطنية لا تصنعها البيانات أو الحملات الإعلامية، بل تصنعها المواقف والثبات والالتزام بقضايا الناس، معتبرًا أن الشيخ عبدالرب النقيب أصبح رمزًا سياسيًا يتجاوز حدود يافع ليحظى بحضور واحترام في مختلف مناطق الجنوب.
ويرى متابعون أن حجم التفاعل مع تصريحات النقيب يعكس حجم الفراغ القيادي الذي تعاني منه الساحة الجنوبية، وحاجة الشارع إلى شخصيات تتمتع بالمصداقية والقدرة على التعبير عن تطلعات الناس بعيدًا عن الحسابات الضيقة.
دعوة دولية تفتح نافذة جديدة للنقاش حول مستقبل اليمن
وفي تطور لافت على المستوى الدولي، شهدت الدورة الخامسة والثلاثون لمؤتمر الأمم المتحدة المعني بمنع الجريمة والعدالة الجنائية، المنعقدة في العاصمة النمساوية فيينا، طرح رؤية تدعو إلى معالجة الأزمة اليمنية عبر استعادة الدولتين بما يحقق الأمن والاستقرار ويضع حدًا للصراع المستمر منذ سنوات.
وجاءت هذه الدعوة خلال كلمة لرئيس المنظمة الدولية للبلدان الأقل نمواً، الذي أكد أن الحل المستدام للأزمة اليمنية يتطلب معالجة جذور المشكلة السياسية والتاريخية، مع استمرار الدعم الإقليمي والدولي لضمان نجاح أي تسوية مستقبلية.
ورغم أن هذه الدعوة لا تمثل موقفًا رسميًا للأمم المتحدة، إلا أنها تعكس تنامي حضور القضية الجنوبية في المحافل الدولية، وعودة النقاش حول مستقبل العلاقة بين الشمال والجنوب كأحد الخيارات المطروحة لإنهاء الصراع وتحقيق الاستقرار.
الجنوب أمام مرحلة مفصلية
تجمع التطورات الأخيرة، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، على حقيقة واحدة مفادها أن القضية الجنوبية ما تزال حاضرة بقوة في المشهد السياسي، وأن محاولات تهميشها أو تجاوزها لم تنجح رغم تعقيدات الواقع وتعدد مراكز النفوذ.
كما تكشف حالة التفاعل الشعبي مع خطاب الشيخ عبدالرب النقيب عن وجود حالة وعي متزايدة لدى قطاعات واسعة من أبناء الجنوب بضرورة حماية الهوية الوطنية الجنوبية والحفاظ على وحدة الموقف السياسي في مواجهة التحديات الراهنة.
وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، تبدو القضية الجنوبية اليوم أمام منعطف تاريخي جديد، قد يكون من أهم المنعطفات التي مرت بها منذ سنوات، الأمر الذي يضع مختلف القوى والقيادات الجنوبية أمام مسؤولية وطنية كبيرة تتمثل في توحيد الصفوف، وحماية التضحيات، وتحويل الحضور الشعبي والسياسي للقضية إلى مشروع وطني قادر على فرض نفسه على طاولة الحلول اليمنية والدولية المقبلة.
















