أعادت جولات القصف المتبادل بين طهران وتل أبيب صياغة قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط. وفي حين يرى بعض المحللين أن وصول الصواريخ والمسيّرات بشكل مباشر من المحيط الإيراني إلى الداخل الإسرائيلي يمثل تدشينًا لعصر الحروب المفتوحة، يرى فريق من الدبلوماسيين المخضرمين أن هذا الإفراط في استخدام القوة قد يكون تحديدًا هو السبب الذي سيجبر الأطراف كافة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
المعادلة الجديدة: لم تعد القوى الإقليمية قادرة على إدارة “صراع منخفض الشدة”. إما الذهاب إلى حرب شاملة لا مصلحة لأحد فيها، أو صياغة تفاهيم دبلوماسية جديدة بضمانات دولية.
كيف تحولت الضربة العسكرية إلى “حافز” سياسي؟
تستند الرؤية القائلة بأن التصعيد يفتح بابًا للدبلوماسية إلى عدة مؤشرات ميدانية وسياسية:
استنفاد خيارات الردع التقليدية: أثبتت الهجمات المتبادلة أن الخيارات العسكرية المحصورة في “الرد والرد المضاد” وصلت إلى سقفها الأعلى دون تغيير استراتيجي حقيقي؛ فلا إسرائيل استطاعت تحييد القدرات الصاروخية لطهران بالكامل، ولا إيران تمكنت من كسر التفوق الجوي والتكنولوجي الإسرائيلي-الغربي.
الضغط الاقتصادي وأمن الممرات المائية: تأثر حركة الملاحة في الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر دفع القوى الاقتصادية الكبرى (وعلى رأسها واشنطن وبكين والاتحاد الأوروبي) إلى ممارسة ضغوط قصوى خلف الكواليس لمنع انهيار سلاسل التوريد، وهو ما يدفع باتجاه مسارات تفاوضية غير مباشرة.
الحاجة الدولية لترتيب “اليوم التالي”: تبدو العواصم الكبرى، لا سيما في ظل توازنات دولية حساسة ومساعٍ أمريكية لتهدئة الجبهات، أكثر حماسًا من أي وقت مضى لدعم وساطات إقليمية (تقودها قوى مثل عمان وقطر وباكستان) بهدف صياغة اتفاقات لوقف إطلاق النار أو تبريد الجبهات المشتعلة من لبنان إلى اليمن.
الدبلوماسية مدفوعة بالخوف
إن الفرصة الدبلوماسية الحالية لا تنبع من رغبة الأطراف في السلام، بل من إدراكهم المشترك لـ “كلفة البديل”. فالضربة الإيرانية والردود الإسرائيلية كشفت للجميع شكل الحرب الشاملة القادمة، وهو مشهد مدمر لدرجة قد تجعل المقترحات الدبلوماسية التي كانت “مرفوضة أمس ” مقبولة اليوم كطوق نجاة أخير.
فرصة للدبلوماسية
يبدو أن نتيجة الضربة المتبادلة الأخيرة، اقنعت الأطراف بضرورة تجاوز مرحلة الهدنة الهشة، فحسب تقرير صحيفة آرمن ملي، الثلاثاء 9 يونيو، قال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف: “إن التصعيد الأخير للعنف في الشرق الأوسط يُذكّرنا بوضوح بمخاطر وقف إطلاق النار الهشّ وعواقبه الوخيمة”. وأكد: “بينما نعمل بجدٍّ وإخلاص، مع إخواننا وشركائنا، لإيجاد حل سلمي ودبلوماسي لهذا النزاع، ولا سيما في هذا الوقت الذي بات فيه الهدف النهائي وشيكًا، فإننا نناشد جميع الأطراف بصدق ضبط النفس وإعطاء السلام فرصة”.
وبعد وقف إطلاق النار بين إيران والكيان الصهيوني، الاثنين 8 يونيو، كتب رئيس فريق التفاوض الإيراني على منصة إكس: “ما دام لم تكن لديكم إرادة حقيقية لبناء الثقة، فسيكون هذا هو رد إيران”. وأضاف محمد باقر قاليباف: “إذا ارتكب التحالف الصهيوني الأمريكي الشرير خطأً آخر، فستتحول المنطقة إلى جحيم”.
فشل جهود إسرائيل
وحول فشل جهود إسرائيل لعرقلة المفاوضات بين واشنطن وطهران، كتب في صحيفة اعتماد، الثلاثاء 9 يونيو، المحلل السياسي، مشالله شمس الواعظين: “الآن، تدرك الولايات المتحدة وإسرائيل أن إيران لديها إرادة قوية ولا تتردد في العودة إلى الساحة العسكرية. فإذا ما تعرضت جنوب بيروت للهجوم، ستضرب إيران شمال إسرائيل. إذا تضررت المصالح الإيرانية، فستفضل بلا شك الصراع العسكري لفرض منطقها ومطالبها”.
وتابع: “لستُ من المحللين الذين يعتقدون أن العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة ستتوتر. لكن أي تقارب بين إيران والولايات المتحدة في المفاوضات سيؤدي حتمًا إلى توتر العلاقات بينهما. أعتقد أن بنيامين نتنياهو قد استنفد فرصته الأخيرة لعرقلة المفاوضات بين طهران وواشنطن، ويبدو أن هذه المحاولة قد باءت بالفشل. أعتقد أن إسرائيل لن تُقدم بعد الآن على اختبار الماضي”.
















