تشتد وطأة الأزمات المعيشية والخدمية في ربوع الجنوب العربي، وفي مقدمتها أزمة الانقطاع الحاد والمستمر للتيار الكهربائي، والتي تجاوزت في تأثيرها حدود المشكلة الفنية العابرة لتتحول إلى أداة عقاب جماعي ممنهج تهدف إلى استنزاف طاقة المواطن وصبره، في وقت يواجه فيه أبناء الجنوب لهيب الصيف الحارق دون أي حلول ملموسة.
ورغم المعاناة الإنسانية البالغة التي يعيشها السكان، وتوقف العديد من المصالح الحيوية والخدمات الطبية والتعليمية، إلا أن هذه المحنة كشفت عن وجه أصيل للجنوبيين؛ وجهٌ عنوانه الصبر الجميل، والتكاتف الأخوي، والروح الوطنية المتقدة التي ترفض الانكسار، وتؤمن بأن الطريق إلى الحرية والسيادة محفوف بالتحديات التي لا تزيد الشعب إلا إصرارًا.
حرب الخدمات: سياسة تدميرية لتركيع الإرادة الشعبية
تؤكد الشواهد الميدانية في العاصمة عدن وبقية محافظات الجنوب أن حرب الخدمات المفروضة ليست وليدة الصدفة أو نتاجًا طبيعيًا لإهمال إداري، بل هي سياسة تدميرية متعمدة تمارسها قوى معادية تهدف بشكل أساسي إلى تركيع شعب الجنوب، وإلهائه بالركض خلف متطلبات العيش الأساسية من ماء وكهرباء وغذاء، لتصرفه عن قضيته الوطنية العادلة.
تسعى هذه الأطراف، من خلال سلاح الحصار الخدمي والاقتصادي، إلى إضعاف الحاضنة الشعبية للمشروع الوطني، واستهداف المسار التحرري الذي خطه الجنوبيون بدماء شهدائهم وتضحيات جرحاهم، في محاولة يائسة لإجبارهم على التنازل عن تطلعاتهم السياسية المشروعة في استعادة دولتهم كاملة السيادة على حدود ما قبل مايو 1990م.
ارتداد السحر على الساحر: وعي الجنوبيين يقف في وجه المؤامرات
مع كل يوم يمر، يرتد السحر على الساحر؛ فكلما زادت حدة الظلام في الشوارع، أضاءت قيم التكافل والتضامن والوعي السياسي بين أبناء الجنوب معالم الطريق، حيث أظهر المجتمع الجنوبي وعيًا استثنائيًا بطبيعة المعركة، مرسخًا حقيقة أن حرب الخدمات لن تزيدهم إلا تمسكًا بحقوقهم وثباتًا على مواقفهم السياسية، مهما بلغت تكلفة الصمود.
إن الروح المتقدة لأبناء الجنوب العربي، وإيمانهم العميق بعدالة قضيتهم، يشكلان اليوم حائط الصد المنيع الذي تتحطم عليه كل مؤامرات التركيع والإخضاع، إذ يبعث هذا الصمود الأسطوري برسالة واضحة وصريحة إلى كل المتربصين: إن شعبًا يواجه الظلام بالصبر، ويجابه الحصار بالتكاتف، لا يمكن أن يتراجع عن مساره التحرري أو يقبل بأنصاف الحلول.
فالكهرباء والخدمات قد تنقطع بفعل فاعل، وتتوقف المرافق بفعل مؤامرات سياسية، لكن جذوة الحرية والكرامة المتجذرة في نفوس أبناء الجنوب ستظل متقدة، ولن تنطفئ أبدًا حتى تتحقق كامل تطلعاتهم السياسية والوطنية، ليظل الجنوب حرًا، عزيزًا، ومستقلًا، وليثبت التاريخ أن إرادة الشعوب هي القوة الوحيدة التي لا يمكن كسرها أو تطويعها بأسلحة التجويع والظلام.
إن المرحلة الراهنة تتطلب استمرار التلاحم الشعبي وتفويت الفرصة على المتربصين الذين يراهنون على حدوث تصدع في الصف الداخلي، فالمواطن الجنوبي اليوم بات يمتلك بوصلة واضحة لا تخطئ، ويدرك أن الصبر على هذه الأزمات هو جزء لا يتجزأ من معركة الاستقلال الكبرى التي يخوضها الجميع بكل عزة وشموخ.
سيظل الجنوب العربي عصيًا على الانكسار، وستبقى تضحيات أبنائه وصمودهم في وجه حرب الخدمات شاهدًا حيًا على عظمة هذا الشعب، الذي يرفض أن يُساوم على كرامته أو يبيع قضيته مقابل توفير خدمة أساسية يسلبها منه الأعداء عمدًا، فالحق الذي خلفه شعب مؤمن بعدالته لا يضيع، والحرية التي بُذلت من أجلها الدماء قادمة لا محالة.















