رأي عرب تايم
تثبت سياسات السعودية مؤخرًا التي تتقارب مع المليشيات الحوثية، إلى أن المملكة لم تعد صالحة للعب دور قائد التحالف العربي بأي حال من الأحوال.
الرياض انتقلت من مربع مواجهة التمدد الإيراني وأدواته إلى مربع الهندسة الدبلوماسية لشرعنة ما يُطلق عليها سلطة الأمر الواقع في صنعاء، بما يُمثل افتراقاً تاماً عن الأهداف التأسيسية التي أُعلنت عام 2015.
هذا التحول لا يعكس رغبة في صناعة سلام مستدام، بقدر ما يعكس سعيًا وراء تفاهمات منفردة لتأمين العمق الجغرافي للمملكة، ولو كان الثمن هو التضحية بالقوى الحية التي واجهت المشروع الحوثي على الأرض وقدمت في سبيل ذلك تضحيات جسيمة، والحديث هنا تحديدًا عن الجنوب العربي.
تُشير اللقاءات غير المعلنة والتفاهمات المباشرة بين الرياض ومليشيا الحوثي إلى صياغة معادلة جديدة تقوم على “المقايضة الإستراتيجية” وليس السلام العادل.
في هذه الغرف المغلقة، تحولت بنود “خارطة الطريق” من وثيقة لإنهاء الحرب إلى آلية لتفكيك عناصر القوة المناهضة له، وتحديداً في الجنوب.
مخاطر هذه التسويات تكمن في محاولة فرض شروط لخدمة الرياض مقابل إعطاء الحوثيين صك غفران سياسي واعتراف دولي، في خطوة سعودية مشبوهة تعطي غطاء لتمرير صفقات أحادية الجانب تُعيد صياغة النفوذ لصالح أدوات طهران.
يتجلى التغير الجذري في أهداف السعودية في طريقة التعاطي مع ملف الثروات السيادية والموارد الاقتصادية. فالقبول بمبدأ تقاسم عائدات النفط والغاز في الجنوب لتمويل الخزينة الحوثية ودفع رواتب ميليشياتها، لا يمكن تصنيفه إلا كعملية “شرعنة إقليمية للابتزاز”.
هذه المقاربة لا تدمر الاقتصاد الجنوبي فحسب، بل تُجرد القوى المناهضة للمشروع الإيراني من أوراق قوتها الاقتصادية، وتحولها إلى أدوات مخنوقة خدمياً ومعيشياً.
فتسليم ثروات الأرض لمن فجروا المساجد وهجروا الملايين هو طعنة في خاصرة التضحيات، وإعلان صريح عن انتقال الرياض من ضفة الحليف الإستراتيجي إلى ضفة المموّل والممكّن لمليشيا مصنفة إرهابية.
هذا المسار يقود إلى استنتاج واحد، وهو أن السعودية انتقلت فعلياً إلى صياغة تحالف نفعي مع مليشيا الحوثي، متخلية عن مسؤوليتها الأخلاقية والسياسية تجاه حلفائها الأرضيين.
هذا السلوك يُمثل خروجاً كاملاً عن ميثاق التحالف العربي، حيث يتم التأسيس لسلام هش يمنح المليشيات الإرهابية الهيمنة المطلقة، ويترك الجنوب والمنطقة بأسرها أمام قنبلة موقوتة.
الوعي الإستراتيجي اليوم يفرض على القوى الفاعلة على الأرض كسر حالة التبعية، والتعامل مع الرياض كطرف يبحث عن مصالحه الخاصة فقط، وإدراك أن حماية الأرض والمكتسبات لم تعد تمر عبر بوابات الوصاية الإقليمية التي اختارت بوضوح مهادنة الإرهاب بدلاً من اجتثاثه.














