منذ انطلاق عمليات التحالف العربي بقيادة السعودية، لعبت دولة الإمارات العربية المتحدة دوراً محورياً في معركة تحرير الجنوب من مليشيات الحوثي والتنظيمات الإرهابية، حيث اعتمدت على دعم وإسناد أبناء الجنوب وقواتهم المسلحة على الأرض، وأسهمت بشكل مباشر في تحرير محافظات الجنوب وبناء وتدريب القوات العسكرية والأمنية التي أصبحت لاحقاً صمام أمان الجنوب في مواجهة مختلف التهديدات.
وخلال سنوات وجودها في الجنوب، مثلت الإمارات عامل توازن استراتيجي حال دون تمرير الكثير من المشاريع السياسية والعسكرية التي كانت تستهدف القضية الجنوبية وقيادتها الوطنية. إلا أن المشهد بدأ يتغير بصورة متسارعة عقب تراجع دورها المباشر في الملف الجنوبي، لتبرز على السطح تحولات سياسية وعسكرية واقتصادية عميقة، يرى كثير من الجنوبيين أنها انعكست بشكل مباشر على واقع الجنوب ومستقبله.
ويؤكد ناشطون وسياسيون جنوبيون أن السنوات والأشهر الأخيرة كشفت بصورة أوضح ما يصفونه بحرب ممنهجة ضد الجنوب التي تجلت في التدهور غير المسبوق للخدمات الأساسية، والانهيار الاقتصادي والمعيشي، وتعطيل مؤسسات الدولة، إلى جانب محاولات إضعاف القوات الجنوبية وإعادة هندسة المشهد العسكري والأمني بما يخدم قوى كانت جزءاً من الأزمات والصراعات التي عانى منها الجنوب لعقود طويلة.
وبحسب هذه الرؤية، فإن المجلس الانتقالي الجنوبي، بوصفه الممثل السياسي للقضية الجنوبية والحامل لمشروع استعادة الدولة الجنوبية، تعرض لسلسلة متواصلة من الضغوط والاستهدافات السياسية والإعلامية، بالتزامن مع تمكين قوى محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين وإعادتها إلى واجهة المشهد السياسي والعسكري، في الوقت الذي شهدت فيه بعض المناطق مؤشرات على عودة نشاط عناصر متطرفة وتنظيمات إرهابية سبق أن خاضت القوات الجنوبية معارك شرسة ضدها وقدمت في سبيل ذلك آلاف الشهداء والجرحى.
ويضع كثير من الجنوبيين الرئيس القائد عيدروس الزبيدي في مقدمة الشخصيات التي تعرضت للاستهداف السياسي خلال المرحلة الماضية، رغم أنه كان أحد أبرز الشركاء في مواجهة الحوثيين والتنظيمات الإرهابية إلى جانب التحالف العربي. ويرى هؤلاء أن المفارقة تكمن في توجيه حملات سياسية وإعلامية ضد قيادات جنوبية شاركت في تحرير الأرض ومحاربة الإرهاب، بينما لا تزال الجماعات التي انقلبت على الدولة وسيطرت على صنعاء تحظى بمساحات واسعة من المناورة السياسية.
وفي هذا السياق، جاء البيان الأخير الصادر عن المجلس الانتقالي الجنوبي ليعكس حجم الاحتقان المتصاعد بين الجنوب والرياض. إذ اتهم المجلس ما وصفها بـ”سلطات الوصاية السعودية” بإدارة حملة سياسية وإعلامية منظمة تستهدف المجلس الانتقالي وقيادته، معتبراً أن هذه الحملات تأتي في إطار محاولة لصرف الأنظار عن الفشل في إدارة الأوضاع الخدمية والاقتصادية في الجنوب، وعن الترتيبات السياسية التي يجري العمل عليها بعيداً عن إرادة أبناء الجنوب وتطلعاتهم الوطنية.
وأكد البيان أن ما يجري لا يمكن فصله عن محاولات مستمرة لإضعاف المشروع الوطني الجنوبي واستهداف رموزه السياسية والعسكرية، وفي مقدمتهم الرئيس القائد عيدروس الزبيدي، الذي يعتبره أنصار القضية الجنوبية رمزاً للتحرير وقائداً لأحد أهم المشاريع السياسية التي شهدها الجنوب خلال العقود الأخيرة.
كما رفض المجلس الانتقالي الاتهامات التي يتم الترويج لها في بعض المنابر السياسية والدبلوماسية، مؤكداً أنها تفتقر إلى الأدلة والوثائق القانونية، وأنها تأتي ضمن محاولات تدوير الأزمات وتوجيه الأنظار بعيداً عن الأسباب الحقيقية التي أوصلت الأوضاع إلى ما هي عليه اليوم.
وحذر البيان من أن استمرار سياسات الإقصاء والتضييق على المجلس الانتقالي ورموزه السياسية لن يؤدي إلى تحقيق الاستقرار، بل سيدفع نحو مزيد من الاحتقان والتوتر، مؤكداً أن حالة الهدوء التي يشهدها الجنوب لا تعكس قبولاً بالأوضاع الراهنة بقدر ما تعبر عن سياسة ضبط النفس التي ينتهجها المجلس حرصاً على تجنب أي صدامات داخلية.
وفي الوقت ذاته، دعا المجلس المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى إعادة النظر في طريقة التعاطي مع الملف الجنوبي، والتعامل مع القضية الجنوبية بوصفها قضية شعب يسعى إلى استعادة دولته وهويته السياسية، لا باعتبارها مجرد ملف فرعي ضمن الأزمة اليمنية.
بالتوازي مع ذلك، شهدت منصات التواصل الاجتماعي حملة تضامن واسعة أطلقها إعلاميون وناشطون وشخصيات جنوبية تحت وسم #الرئيس_القائد_عيدروس_الزبيدي_رئيسنا، تعبيراً عن رفضهم لما وصفوه بحملات الاستهداف السياسي والإعلامي التي تطال رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي.
وأكد المشاركون في الحملة أن الرئيس عيدروس الزبيدي يمثل بالنسبة لهم رمزاً وطنياً وقائداً لمشروع التحرير واستعادة الدولة الجنوبية، مشددين على أن أي استهداف له هو استهداف للقضية الجنوبية نفسها وللتضحيات التي قدمها أبناء الجنوب على مدى سنوات طويلة من النضال.
ويرى مراقبون أن هذا التفاعل الشعبي الواسع يعكس حجم الالتفاف الشعبي حول المجلس الانتقالي وقيادته، ويؤكد أن القضية الجنوبية ما زالت تمثل القضية المركزية لأبناء الجنوب، رغم كل الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تعرضت لها خلال السنوات الماضية.
ومع استمرار التوتر السياسي وتزايد الانتقادات الموجهة للسياسات السعودية في الجنوب، يزداد حضور السؤال الأهم في الشارع الجنوبي: هل تستمر محاولات احتواء المشروع الجنوبي وإضعاف ممثليه السياسيين، أم أن المرحلة المقبلة ستفرض واقعاً جديداً يعترف بإرادة شعب الجنوب وحقه في تقرير مستقبله السياسي بعيداً عن الوصاية والإملاءات الخارجية؟
ذلك السؤال بات اليوم أكثر حضوراً من أي وقت مضى، في ظل قناعة متزايدة لدى قطاعات واسعة من أبناء الجنوب بأن معركة استعادة الدولة لم تعد تقتصر على مواجهة الخصوم التقليديين، بل أصبحت أيضاً معركة للحفاظ على القرار الجنوبي المستقل وحماية المشروع الوطني من محاولات الاحتواء والاستهداف.
















