لم تكن تضحيات القوات المسلحة الجنوبية مجرد دفاع موضعي عن حدود جغرافيتها الوطنية، بل كانت ذراعًا ضاربة وقوة إقليمية مخلصة افتدت أمن المنطقة بأسرها عبر ملاحم أسطورية خطها المقاتل الجنوبي بدمائه الطاهرة على امتداد مساحات واسعة من التحديات العسكرية والأمنية.
عندما استدعى الواجب العسكري القومي ضرورة مواجهة التمدد الإيراني، لم تتردد القوات الجنوبية في خوض معارك كسر العظم بعيدًا عن ديارها، وقدمت في سبيل ذلك آلاف الشهداء والجرحى الذين روت دماؤهم رمال الساحل الغربي في ملاحم تحرير شريان الملاحة الدولية.
ملاحم الفداء الجنوبي وتغيير موازين القوى ميدانيًا
لم تتوقف العمليات البطولية للقوات الجنوبية عند حدود الساحل الغربي، بل توغلت في عمق معاقل الميليشيا الحوثية في صعدة، صانعةً الفارق الميداني الكبير الذي عجزت عنه قوى اليمن الشمالي التقليدية، مما أكد للعالم أجمع أن الجنوب هو الرقم الصعب في المعادلة العسكرية.
تجلت صور الفداء بأبهى صورها عندما تحولت الصدور الجنوبية العارية إلى حائط صد منيع لحماية أمن واستقرار دول الجوار من القذائف والصواريخ والتوغلات، مسطرين ملاحم من الفداء بدافع الأخوة وصدق التحالف، باذلين أرواحهم ومستقبلهم لتبقى الحدود آمنة ومستقرة.
التحدي الكبير: سياسات التجويع وقطع المرتبات
مع كل هذا السجل الحافل بالتضحيات والبطولات، يُجابه المقاتل الجنوبي اليوم بواقع مرير يفيض بنكران الجميل، فبدلًا من تكريم هؤلاء الأبطال ورعاية أسر شهدائهم وجرحاهم، باتت القوات المسلحة الجنوبية تُحارب في “لقمة عيش” جنودها من خلال سياسة ممنهجة لقطع المرتبات.
تهدف هذه السياسات الممنهجة إلى تجفيف المنابع المالية لتركيع المقاتل الجنوبي وإخضاعه معيشيًا، في محاولة يائسة من أطراف إقليمية لإيقاف مسار الصعود الجنوبي بعد أن عجزت تمامًا عن كسره عسكريًا في الميدان أو إخضاعه عبر المواجهات المباشرة.
الاستهداف السياسي ومخططات تهميش القيادات الجنوبية
هذا الحصار الاقتصادي الجائر لا يأتي منفردًا، بل يتزامن مع حملات استهداف سياسي وإعلامي شرسة تسعى لإقصاء وتهميش القيادات الجنوبية الصامدة، ومحاولة تفكيك حضورها الشرعي على الأرض عبر قرارات سياسية واقتصادية تهدف للنيل من المكتسبات الوطنية الجنوبية.
التحول الصادم في التعامل مع القوات الجنوبية يضع الأطراف الإقليمية في مأزق أخلاقي وسياسي حقيقي أمام الشارع الجنوبي والمراقبين الدوليين، فالقوات التي أُؤتمنت على الحدود وصنعت الانتصارات في أقسى الظروف لا يمكن إخضاعها بسياسة التجويع أو الالتفاف على حقوقها.
الاعتماد على الذات: الخيار الاستراتيجي الوحيد للجنوب
إن تجويع الجنود في معسكراتهم وإقصاء رموزهم السياسية والعسكرية لن يثني الشعب الجنوبي عن التمسك بمكتسباته السيادية، بل يرسخ القناعة التامة بأن الاعتماد على الذات ووحدة الصف هما الضمانة الوحيدة لانتزاع الحقوق المشروعة وحماية الأرض.
لقد أثبتت التجربة أن التحرر الذي صُنع بأنهار من الدماء الزكية لا يمكن أن يضيع في أروقة الصفقات السياسية الرخيصة، وأن الرهان على القوى التي لا تحترم تضحيات شركائها هو رهان خاسر، وأن الجنوب اليوم يمتلك زمام أمره وقراره الوطني المستقل.
المرحلة القادمة تتطلب تماسكًا أكبر بين القيادة السياسية والحاضنة الشعبية، والعمل على تعزيز المؤسسات الوطنية بعيدًا عن أي إملاءات خارجية، فالحقوق تُنتزع ولا تُوهب، والجنوب الذي قدم التضحيات هو الأقدر على حماية ما أنجزه.
لا يمكن للمساومات السياسية أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، فالجنوب اليوم بات لاعبًا فاعلًا ومؤثرًا، ولن يقبل بأي وضع يحاول الانتقاص من سيادته أو كرامة مقاتليه الذين كانوا يومًا ما صمام أمان المنطقة في أحلك الظروف وأصعبها.
في النهاية، يظل التاريخ شاهدًا على أن الشعوب التي تمتلك إرادة التحرر والسيادة هي التي تكتب مصيرها بنفسها، والجنوب بكل أطيافه وقواته المسلحة ماضٍ في طريق استعادة الدولة كاملة الحقوق، واثقًا من عدالة قضيته وقوة سواعد أبنائه.

















