لطالما مثّل مضيق هرمز ورقة استراتيجية في يد إيران، تستطيع من خلالها التأثير في حركة التجارة والطاقة ورفع كلفة أي مواجهة عسكرية معها. لكن استخدام هذه الورقة في الصراع الحالي بدأ يفرض كلفة متزايدة على طهران نفسها، بعدما تحولت اضطرابات الملاحة إلى عامل ضغط على الاقتصاد الإيراني إلى جانب تأثيرها في الأسواق العالمية.
وتراجعت حركة العبور عبر المضيق إلى مستويات شديدة الانخفاض، إذ أظهرت بيانات أولية أن 6 سفن للسلع الأساسية فقط عبرته يوم الاثنين، مقارنة بمتوسط بلغ 11 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، فيما لم تُسجل عبورات لناقلات النفط العملاقة أو ناقلات الغاز الطبيعي المسال.
ورقة ضغط تتحول إلى عبء
تعتمد استراتيجية طهران على جعل أمن الملاحة في هرمز جزءًا من معادلة التفاوض مع الولايات المتحدة. وفي الأيام الأخيرة، صعّدت إيران لهجتها، ملوّحة بالانتقال إلى موقف عسكري أكثر هجومية إذا فشلت الجهود الدبلوماسية، فيما تستمر حالة التوتر حول حرية الملاحة في المضيق.
لكن تعطيل حركة السفن لا يضر بالخصوم وحدهم. فإيران نفسها تعتمد على الممرات البحرية في تصدير الطاقة واستيراد السلع، ما يجعل استمرار اضطراب الملاحة مصدر ضغط مباشر على تجارتها واقتصادها.
وتشير بيانات تجارية إلى أن التجارة غير النفطية بين إيران والصين تراجعت بصورة حادة خلال الفترة من مارس إلى يونيو، بينما سجلت التجارة الإيرانية مع عدد من دول الخليج تراجعًا كبيرًا منذ اندلاع الحرب واضطراب الملاحة.
النفط في قلب المعادلة
يمثل هرمز أحد أهم الممرات البحرية للطاقة عالميًا، وأي تعطيل لحركته ينعكس سريعًا على أسعار النفط والغاز. وقد ارتفعت أسعار الخام بأكثر من دولارين يوم الاثنين مع تصاعد المخاوف بشأن الإمدادات وتباطؤ حركة الشحن، إذ أنهى خام برنت التعاملات عند نحو 90.87 دولار للبرميل.
وهكذا تجد طهران نفسها أمام مفارقة استراتيجية: كلما شددت قبضتها على حركة الملاحة، ارتفعت المخاطر على الإمدادات العالمية، لكن في الوقت نفسه تتسع الأضرار التي تطال تجارتها وقدرتها على تصدير مواردها والوصول إلى الأسواق.
شركات الشحن تدفع الثمن
لم يعد الخطر مرتبطًا بالتصريحات والتهديدات فقط، بل انعكس على قرارات شركات النقل البحري. فقد تراجعت حركة السفن بصورة ملحوظة بعد هجمات استهدفت ناقلات، وسجلت بيانات تتبع السفن عبور خمس سفن للسلع الأساسية فقط يوم السبت، مقابل 31 سفينة خلال عطلة نهاية الأسبوع السابقة.
ومع ارتفاع المخاطر الأمنية، تصبح تكلفة التأمين والرحلات أكثر ارتفاعًا، فيما تضطر شركات الشحن إلى إعادة تقييم مساراتها وجدوى المخاطرة بالعبور.
معركة على النفوذ لا على المضيق فقط
وتكشف أزمة هرمز أن المعركة لم تعد تقتصر على السيطرة الجغرافية على ممر مائي، بل باتت مرتبطة بمن يمتلك القدرة على فرض قواعد الملاحة وتحديد كلفة استخدامها.
وتقول واشنطن إنها تملك سيطرة واسعة على المضيق، بينما تتمسك طهران باستخدامه كورقة تفاوضية في مواجهة الضغوط الأمريكية. وفي المقابل، يؤدي استمرار تعطيل الملاحة إلى دفع الأطراف الإقليمية والدولية للبحث عن بدائل وتأمين طرق أخرى، بما قد يقلل تدريجيًا من القيمة السياسية لورقة التهديد بالإغلاق.
معادلة خاسرة؟
المعضلة بالنسبة إلى إيران أن هرمز يمثل في الوقت ذاته مصدر قوة ومصدر هشاشة. فالمضيق يمنحها قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي، لكنه يجعلها أيضًا مرتبطة بشريان تجاري لا يمكن تعطيله من دون تحمل تبعاته.
ومع استمرار تراجع حركة السفن وتصاعد المخاطر، قد تتحول «ورقة هرمز» من أداة للضغط على الخصوم إلى عامل يستنزف الاقتصاد الإيراني نفسه. وبينما ترتفع أسعار الطاقة عالميًا، تواجه طهران واقعًا أكثر تعقيدًا: تحقيق مكاسب سياسية من اضطراب الملاحة من دون أن تتحول كلفة هذا الاضطراب إلى عبء يفوق المكاسب.
وفي ظل تعثر المسار الدبلوماسي وتصاعد التهديدات العسكرية، يبدو أن مستقبل مضيق هرمز سيبقى أحد أهم مفاتيح الصراع، لكن قدرة إيران على استخدامه كسلاح استراتيجي ستظل مرتبطة بمدى قدرتها على تحمل التداعيات الاقتصادية والتجارية الناتجة عنه.














