تواجه السلطات الإيرانية اختبارًا داخليًا جديدًا مع تصاعد الضغوط الاقتصادية وتداعيات الحرب، وسط مخاوف من تجدد الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الماضية. وتأتي هذه المخاوف في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصاد الإيراني، مع ارتفاع التضخم وتراجع قيمة العملة واضطراب التجارة والإمدادات نتيجة الحرب والعقوبات.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الأجهزة الأمنية تستعد لاحتمال عودة الاحتجاجات، فيما يبرز الباسيج، التابع للحرس الثوري، باعتباره إحدى الأدوات الرئيسية التي تعتمد عليها السلطات في التعامل مع الاضطرابات الداخلية. وقد سبق أن لعبت هذه القوة دورًا بارزًا في قمع موجات احتجاج سابقة، بما في ذلك الاحتجاجات التي اندلعت على خلفية الأزمة الاقتصادية في نهاية 2025 وبداية 2026.
اقتصاد تحت الضغط
يُعد الوضع الاقتصادي أحد أبرز مصادر القلق لدى القيادة الإيرانية. فبحسب تقرير لرويترز نُشر في 17 أغسطس، بلغ التضخم السنوي نحو 66% في يوليو، فيما ارتفعت أسعار الغذاء بنحو 128%، بالتزامن مع تراجع قيمة الريال وتضرر قطاعات واسعة من الاقتصاد بسبب الحرب والعقوبات وتعطل التجارة.
وتنعكس هذه المؤشرات مباشرة على الحياة اليومية للإيرانيين، مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف السلع الأساسية وتزايد البطالة والضغوط على الشركات والصناعات المحلية. ومع استمرار الحرب والقيود على الواردات، تخشى السلطات من أن يتحول التدهور الاقتصادي إلى وقود لموجة احتجاجات جديدة.
من الاقتصاد إلى الشارع
شهدت إيران بالفعل احتجاجات واسعة بدأت في أواخر ديسمبر 2025 على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية، قبل أن تتسع مطالبها لتشمل قضايا سياسية واجتماعية. كما شهدت البلاد احتجاجات طلابية وعمالية خلال عام 2026، ما يعكس استمرار حالة الاستياء رغم الحملات الأمنية.
وتكمن حساسية الوضع الحالي في تزامن الضغوط الاقتصادية مع تداعيات الحرب، إذ أدى تضرر البنية التحتية واضطراب التجارة وانخفاض الإيرادات النفطية إلى زيادة الأعباء على الحكومة، في وقت يصعب فيه تقديم استجابة اقتصادية واسعة تخفف غضب الشارع.
الباسيج يعود إلى الواجهة
في مواجهة هذا المشهد، تتجه السلطات إلى تعزيز الأدوات الأمنية تحسبًا لاضطرابات داخلية. ويأتي ذلك بالتزامن مع إعادة ترتيب مواقع أمنية وعسكرية واختيار شخصيات متشددة لشغل مناصب حساسة، في مؤشر على أولوية الاستقرار الأمني بالنسبة إلى القيادة الإيرانية في المرحلة الحالية.
ويُنظر إلى الباسيج باعتباره قوة قادرة على الانتشار السريع داخل المدن والتعامل مع الاحتجاجات، فضلًا عن ارتباطه المباشر بالحرس الثوري. وقد كان حاضرًا في مواجهات سابقة مع المحتجين، ما يجعله عنصرًا أساسيًا في أي خطة أمنية للتعامل مع موجة اضطرابات محتملة.
حرب خارجية وضغط داخلي
تزداد صعوبة مهمة الحكومة مع استمرار المواجهة مع الولايات المتحدة وتوتر الوضع حول مضيق هرمز. وانتهت في أغسطس المهلة المحددة لاتفاق يونيو دون التوصل إلى تسوية، بينما عادت التهديدات المتبادلة والضغوط الاقتصادية، بما في ذلك العقوبات والقيود على حركة التجارة.
وتضع هذه التطورات القيادة الإيرانية أمام معادلة معقدة: الحفاظ على القدرة على خوض المواجهة الخارجية، وفي الوقت نفسه احتواء تداعياتها داخليًا. وكلما طال أمد الحرب وازدادت الضغوط الاقتصادية، ارتفع احتمال انتقال حالة الاستياء من الأسواق ومواقع العمل إلى الشارع.
هل تتجدد الاحتجاجات؟
لا تعني الضغوط الحالية بالضرورة اندلاع احتجاجات واسعة فورًا، لكن المؤشرات الاقتصادية والأمنية تجعل احتمال تجدد الاضطرابات حاضرًا بقوة في حسابات السلطات. ويبدو أن إعادة ترتيب الأجهزة الأمنية وتعزيز حضور الباسيج يعكسان استعدادًا لسيناريو تعتبره القيادة الإيرانية ممكنًا، خصوصًا إذا تزامن ارتفاع الأسعار مع تراجع أكبر في قيمة الريال أو نقص السلع الأساسية.
وفي النهاية، قد تتحول الأزمة الاقتصادية إلى التحدي الأكثر إلحاحًا للسلطات الإيرانية، إذ إن قدرة الحكومة على احتواء الغضب الشعبي ستعتمد ليس فقط على أدواتها الأمنية، وإنما أيضًا على قدرتها على تخفيف الأعباء المعيشية في بلد يواجه في الوقت نفسه حربًا وضغوطًا اقتصادية وعزلة دولية متزايدة.













