تتحرك إيران على مسارين متوازيين في العراق، يجمعان بين التحرك الأمني والعسكري والاتصالات السياسية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تجدد المواجهة الإقليمية. ويبرز في هذا التحرك قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني، الذي أجرى لقاءات في بغداد مع مسؤولين وقيادات سياسية وأمنية وقادة فصائل مسلحة، بالتزامن مع تحركات لرئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على المسار السياسي.
قاآني وملف السلاح
تأتي زيارة قاآني إلى بغداد في وقت تضغط فيه الحكومة العراقية باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، وسط نقاشات بشأن مستقبل الفصائل المسلحة ودورها بعد انسحاب قوات التحالف الدولي.
وبحسب مصادر نقلت عنها وسائل إعلام، حمل قاآني رسالة إلى الفصائل بعدم تسليم أسلحتها في المرحلة الحالية، معتبرًا أن احتمال اندلاع جولة جديدة من الحرب لا يزال قائمًا. كما بحث مع قيادات سياسية وأمنية وقادة فصائل شيعية تداعيات مشروع نزع السلاح.
وتشير هذه التحركات إلى أن طهران تنظر إلى الفصائل العراقية باعتبارها جزءًا من حساباتها الأمنية في حال تجدد التصعيد، خصوصًا مع استمرار التوتر مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
قاليباف على المسار السياسي
في المقابل، يتحرك قاليباف عبر القنوات السياسية، إذ من المقرر أن يزور بغداد على رأس وفد إيراني رفيع لإجراء محادثات مع مسؤولين وشخصيات سياسية عراقية. وتأتي الزيارة في توقيت حساس، مع احتدام النقاش حول سلاح الفصائل والعلاقة مع واشنطن.
ويعكس الجمع بين المسارين محاولة إيرانية للحفاظ على نفوذها في العراق، من جهة عبر التواصل السياسي مع الحكومة والقوى المؤثرة، ومن جهة أخرى عبر إبقاء قنواتها مفتوحة مع الفصائل المسلحة.
مخاوف من جولة جديدة
تزامن التحرك الإيراني مع مؤشرات على استعداد بعض الفصائل لاحتمال عودة التصعيد. وكانت فصائل عراقية مرتبطة بإيران قد شكلت في وقت سابق غرفة عمليات مشتركة وسط مخاوف من تجدد الحرب بين إيران والولايات المتحدة.
كما أفادت تقارير حديثة بأن زيارة قاآني الأخيرة ركزت على منع تسليم أسلحة الفصائل في الوقت الراهن، في ظل تقديرات إيرانية بإمكانية اندلاع مواجهة جديدة.
بغداد بين الضغط الإيراني وحصر السلاح
تواجه الحكومة العراقية معادلة معقدة؛ فهي تسعى إلى فرض حصر السلاح بيد الدولة، لكنها في الوقت نفسه تتعامل مع فصائل تتمتع بنفوذ سياسي وعسكري واسع، وبعضها يرتبط بعلاقات وثيقة مع طهران.
ومن شأن استمرار الخلاف حول السلاح أن يفتح بابًا جديدًا للتوتر الداخلي، خصوصًا إذا تحولت الفصائل إلى طرف مباشر في أي مواجهة إقليمية مقبلة.
استراتيجية مزدوجة
ويبدو التحرك الإيراني في بغداد جزءًا من استراتيجية أوسع تقوم على الجمع بين التفاوض والاستعداد الميداني. فقاليباف يتحرك عبر القنوات السياسية، بينما يتولى قاآني التواصل مع الفصائل وترتيب الحسابات الأمنية، بما يسمح لطهران بالحفاظ على خيارات متعددة في حال فشلت المساعي الدبلوماسية.
وبينما تصر بغداد على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى بيد الدولة، تبدو طهران حريصة على عدم فقدان إحدى أهم أوراق نفوذها في العراق، خصوصًا في ظل احتمال عودة التصعيد الإقليمي.
وبذلك، لا تبدو قضية سلاح الفصائل العراقية مجرد ملف داخلي، بل تحولت إلى جزء من معادلة أوسع تتقاطع فيها حسابات بغداد وطهران وواشنطن، فيما يبقى احتمال جولة جديدة من الحرب عاملًا ضاغطًا على جميع الأطراف.














