بعد أكثر من خمسة عقود على تأسيسه، يعود الجيش الجنوبي إلى واجهة المشهد السياسي في الجنوب، ليس بوصفه جزءاً من ذاكرة الدولة التي كانت قائمة قبل الوحدة عام 1990 فحسب، وإنما كرمز يستحضره المجلس الانتقالي الجنوبي في مشروعه المطالب باستعادة دولة الجنوب.
وتكتسب الذكرى الـ 55 هذا العام بعداً إضافياً في حضرموت، حيث يستعد المجلس لإحياء المناسبة بفعالية جماهيرية في المكلا وسط توترات سياسية وأمنية متصاعدة. وتأتي التحركات في وقت يواجه فيه الانتقالي ضغوطاً ومنافسة سياسية متزايدة على تمثيل حضرموت ومستقبلها، فيما يتمسك المجلس باعتبار المحافظة جزءاً أساسياً من مشروعه الجنوبي.
من التأسيس إلى بناء القوة
نشأ الجيش في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بعد الاستقلال عن بريطانيا عام 1967، قبل أن تتوسع قدراته خلال السبعينيات والثمانينيات في ظل علاقة عسكرية وثيقة مع الاتحاد السوفيتي.
وتظهر وثائق تاريخية أمريكية أن موسكو بدأت تزويد دولة الجنوب بمعدات عسكرية منذ 1969، شملت طائرات مقاتلة ودبابات ومدفعية، إلى جانب إرسال مستشارين عسكريين. وبحلول أواخر السبعينيات، كانت العلاقة قد توسعت لتشمل منظومات دفاع جوي ومئات المستشارين السوفييت، بينما أصبحت عدن ذات أهمية استراتيجية لموسكو في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وقال رئيس الهيئة العسكرية للجيش والأمن الجنوبي في حضرموت، العميد سالم سعيد بادحيدوح، إن القوات المسلحة الجنوبية امتلكت مختلف صنوف القوات البرية والبحرية والجوية، معتبراً أنها كانت من أبرز جيوش شبه الجزيرة العربية من حيث التسليح وتأهيل الكوادر.
ويتفق عضو الجمعية الجنوبية للمجلس الانتقالي الجنوبي، المقدم سعيد المحمدي، مع هذا التقييم، ويقول إن القوة لم تعتمد على السلاح وحده، وإنما على “عقيدة قتالية وطنية” ونظام تدريب وتأهيل شمل القيادات والضباط، لافتاً إلى ابتعاث عسكريين للدراسة والتخصص في الاتحاد السوفيتي.
وتشير بيانات منشورة عن عام 1973 إلى أن القوات المسلحة في الجنوب ضمت حينها نحو 9500 عسكري، وستة ألوية مشاة وقوات مدرعة ومدفعية، إلى جانب قوات جوية وبحرية، في مؤشر على عملية بناء عسكري واسعة قياساً بحجم الدولة وسكانها.
حضور خارج الحدود
امتد نشاط الجيش إلى ملفات إقليمية في مرحلة اتسمت بصراعات الحرب الباردة والتنافس على البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ويقول العميد سالم بادحيدوح إن القوات الجنوبية شاركت، بالتنسيق مع مصر، في تأمين وإغلاق باب المندب خلال حرب أكتوبر 1973، كما أرسلت كتيبة للمشاركة ضمن القوة العربية في لبنان.
وقال المحمدي أيضاً إن قوات جنوبية شاركت في قوة الردع العربية في لبنان، مشيراً إلى أن ضباطاً جنوبيين تولوا أدواراً قيادية خلالها.
وكانت جامعة الدول العربية قد أنشأت قوة الردع العربية عام 1976 في سياق الحرب الأهلية اللبنانية، بمشاركة قوات من عدة دول عربية.
كما تكشف وثائق أمريكية عن دور عسكري واستراتيجي لجنوب اليمن في القرن الأفريقي؛ إذ استخدم الاتحاد السوفيتي عدن ممراً رئيسياً لإمداد إثيوبيا أواخر السبعينيات، وتحدثت وثيقة أمريكية عام 1977 عن إرسال معدات عسكرية من جنوب اليمن إلى إثيوبيا.
حضرموت في قلب المؤسسة
ويمثل الدور التاريخي لأبناء حضرموت في الجيش محوراً مهماً في الجدل السياسي الراهن بشأن هوية المحافظة وعلاقتها ببقية الجنوب.
وقال بادحيدوح إن قيادات حضرمية شغلت مواقع متقدمة في المؤسسة العسكرية، وأشار إلى أن علي سالم البيض كان من أوائل من تولوا حقيبة الدفاع بعد الاستقلال، ولاحقا شغل منصب رئيس الدولة، فيما شغل حيدر أبوبكر العطاس منصب رئيس الوزراء.
كما ذكر من بين القيادات الحضرمية عمر علي العطاس، الذي شغل منصب نائب رئيس هيئة الأركان العامة، وصالح أبو بكر بن حسينون، الذي تولى رئاسة هيئة الأركان العامة، واللواء عمر سالم بارشيد، قائد سلاح الدروع، واللواء علي سعيد عبيد الحيقي، قائد سلاح المدفعية والصواريخ.
وأضاف أن الجيش لم يكن، وفق تجربته، يميز بين العسكريين على أساس مناطقهم، وأن أبناء حضرموت وعدن وأبين ولحج والضالع ويافع خدموا في مؤسسة واحدة تجمعها عقيدة عسكرية موحدة.
من جانبه، يقول المقدم سعيد المحمدي إن أبناء حضرموت كانوا جزءاً أساسياً من الجيش وقيادته، مشيراً إلى اللواء 30 بوصفه أحد التشكيلات العسكرية البارزة المرتبطة بالمحافظة، وإلى تولي عسكريين حضارم مواقع متقدمة في وزارة الدفاع والقوات المسلحة.
ويستند مؤيدو المشروع الجنوبي اليوم إلى هذه التجربة في رفض الطروحات التي تفصل تاريخ حضرموت السياسي والعسكري عن تاريخ دولة الجنوب، بينما توجد في المحافظة قوى أخرى تحمل تصورات مختلفة بشأن شكل تمثيل حضرموت ومستقبلها السياسي.
من ذاكرة الجيش إلى استعادة الدولة
بعد الوحدة بين دولتي الشمال والجنوب عام 1990، دخلت المؤسسة العسكرية مرحلة دمج انتهت عملياً، بعد حرب 1994، بإبعاد أعداد من الضباط والعسكريين الجنوبيين عن الخدمة.
ويصف المحمدي تلك المرحلة بأنها عملية منظمة لتفكيك الجيش الجنوبي، مستشهداً بسياسة الإحالة إلى المنازل التي عُرفت بين العسكريين الجنوبيين بعبارة “خليك في البيت”.
ومن هذه الذاكرة العسكرية والسياسية، اكتسب ملف الجيش لاحقاً مكانة مركزية في خطاب الحراك الجنوبي، ثم المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تأسس عام 2017 وتبنى مطلب استعادة دولة الجنوب.
وفي حضرموت، تتقاطع ذكرى الجيش هذا العام مع مواجهة سياسية أكثر تعقيداً. فقد قال المجلس إن قوات أمنية حاولت اقتحام مقره في المكلا في 24 أغسطس قبل أن تدخل أجزاء منه في اليوم التالي، وذلك قبيل فعالية دعا إليها بمناسبة ذكرى الجيش الجنوبي في الأول من سبتمبر.
وكانت قيادة الانتقالي في حضرموت قد أعلنت تكليف الهيئة العسكرية باستكمال ترتيبات الفعالية، مؤكدة أنها ستكون سلمية وتهدف، بحسب المجلس، إلى التعبير عن مواقف وتطلعات المشاركين.
وهكذا تتجاوز الذكرى الخامسة والخمسون مجرد كونها استعادة لتاريخ مؤسسة عسكرية عريقة، لتغدو تجسيداً حياً لإرادة شعب الجنوب في نيل استقلاله، وإعلان تأكيدٍ على أن مسار استعادة الدولة بات خياراً حتمياً لا رجعة عنه.
ومن رحم الجيش الجنوبي الذي حرس حدود الدولة الوطنية قبل أكثر من نصف قرن، تقف القوات المسلحة الجنوبية اليوم كحامي حمى الوطن، ليرسخ المجلس الانتقالي الجنوبي حقيقة ساطعة مفادها: أن نضال الجنوب العسكري والسياسي مسار متصل وحق مشروع لم ولن تسقطه تحولات 1990 ولا نتائج حرب 1994.
















