تتجه الأنظار في الجنوب نحو مرحلة سياسية ووطنية بالغة الحساسية، تتجاوز تحدياتها حدود المواجهة العسكرية مع مليشيا الحوثي، لتشمل مستقبل الأرض والقرار السياسي والهوية الوطنية، في ظل صراع تتداخل فيه الحسابات الإقليمية والدولية، وتتعدد فيه المشاريع التي تسعى إلى التأثير في مسار الجنوب وتطلعات شعبه إلى استعادة دولته المستقلة.
وفي خضم هذه التحولات، تتصاعد الدعوات الجنوبية إلى تعزيز الوعي السياسي والمجتمعي، وتوحيد الصفوف خلف المشروع الوطني الجنوبي، الذي يمثله المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي، باعتباره الإطار السياسي الذي يتبنى استعادة الدولة الجنوبية بحدودها السابقة على 22 مايو 1990م، ويخوض معركة سياسية لإيصال تطلعات الجنوبيين إلى المحافل الإقليمية والدولية.
ويرى سياسيون وإعلاميون جنوبيون أن خطورة المرحلة الراهنة تكمن في أن المعركة على الجنوب لا تتوقف عند خطوط المواجهة، بل تمتد إلى تشكيل الوعي العام، والتأثير في المواقف الشعبية، ومحاولات إرباك المشهد الداخلي عبر حملات إعلامية وشائعات وخطابات متضاربة تستهدف الثقة بين أبناء الجنوب، وتضعف قدرتهم على قراءة التطورات وفهم ما يجري حولهم.
مشروع وطني في مواجهة تحديات متشابكة
على مدى سنوات، عبّر الجنوبيون عن تطلعاتهم إلى استعادة دولتهم عبر الحراك الشعبي والفعاليات الجماهيرية والعمل السياسي، إلى جانب التضحيات التي قدمتها القوات الجنوبية في مواجهة الحوثيين والتنظيمات المتطرفة. ولم تعد القضية الجنوبية، في نظر قطاعات واسعة من الشارع الجنوبي، مطلبًا مرتبطًا بمرحلة بعينها، بل قضية وطنية تتصل بالهوية والقرار السياسي ومستقبل الأجيال.
وفي هذا السياق، جاء خطاب الرئيس القائد عيدروس الزُبيدي في الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر، في 13 أكتوبر الجاري، ليؤكد ضرورة الاصطفاف خلف القوات المسلحة والأمن وتعزيز التلاحم المجتمعي، معلنًا التعبئة الشعبية العامة للدفاع عن الجنوب ومشروعه الوطني، ومجددًا التمسك بالمسار السياسي الهادف إلى انتزاع حق شعب الجنوب في تقرير مصيره واستعادة دولته المستقلة كاملة السيادة.
ويحمل هذا الموقف، وفق قراءات سياسية جنوبية، دلالة تتجاوز الدعوة إلى الحشد الشعبي؛ إذ يعيد التأكيد على أن حماية المشروع الوطني تتطلب تلازم المسارين السياسي والمجتمعي، ووجود حالة من الوعي الشعبي القادرة على استيعاب تعقيدات المرحلة، وعدم ترك المجال مفتوحًا أمام محاولات تفكيك الموقف الجنوبي أو إضعاف حضوره في أي ترتيبات مقبلة.
مخاوف من تكرار سيناريوهات التراجع
وتتزايد في الأوساط الجنوبية المخاوف من أن يؤدي استمرار الانقسامات وتضارب الأولويات إلى إضعاف قدرة الجنوب على حماية أرضه ومكتسباته، خصوصًا في ظل اتساع رقعة المواجهات مع الحوثيين على عدد من المحاور، وما تفرضه التطورات العسكرية من تحديات أمنية وسياسية.
ويثير هذا الواقع تساؤلات لدى سياسيين ومراقبين جنوبيين بشأن مآلات المعارك التي تُرفع فيها راية مواجهة الحوثيين، ومدى انعكاس نتائجها على مستقبل الجنوب وحدوده وقراره السياسي. فهناك مخاوف من أن تتحول تضحيات القوات الجنوبية إلى مكاسب لقوى أخرى لا تتبنى بالضرورة المشروع الوطني الجنوبي، أو أن تُستثمر نتائج المعارك في ترتيبات سياسية تتجاهل تطلعات أبناء الجنوب.
وتستحضر هذه المخاوف ما شهدته مناطق في الجوف وتعز وأجزاء من مأرب من تغيرات ميدانية وخيانات سياسية، لتطرح تساؤلات بشأن احتمالات تمدد الحوثيين مجددًا، أو انتقال المواجهات إلى مناطق حدودية جنوبية أخرى الى جانب الجبهات الأخرى المشتعلة بالمعارك منذ حرب 2015م وحتى اليوم،لان حسابات الأحزاب ليست وطنية بل قائمة على المصالح وقد تحدث تفاهمات بين مليشيا الحوثي والإخوان بتسليمه بعض الجبهات التي تسيطر عليها لينتقل بشكل مباشر الى الحدود الجنوبية كما حدث في التربة والوازعية والمضاربة.
ولا تعني هذه المخاوف أن سيناريو بعينه بات حتميًا، لكنها تعكس قلقًا من أن تؤدي الحسابات السياسية المتعارضة إلى إضعاف الجبهة المناهضة للحوثيين، أو ترك المناطق الجنوبية أمام مخاطر جديدة. ومن هنا، تبرز أهمية أن يكون الموقف الجنوبي واضحًا في تحديد أولوياته، وفي مقدمتها حماية الأرض والسكان، وصون القرار الوطني، وعدم السماح بتحويل الجنوب إلى ساحة لتصفية الحسابات أو تمرير مشاريع تتعارض مع إرادة أبنائه.
القرار الجنوبي ورفض توظيف القضية في صراعات الآخرين
وفي موقف يتصل بهذه المخاوف، أكد وضاح الحالمي، عضو هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي والأمين العام للأمانة العامة لهيئة رئاسة المجلس، في تصريحات نُشرت في سبتمبر الماضي، أن إدارة الأزمات بمنطق الحرب بالوكالة لن تصنع السلام والاستقرار، مشددًا على أن الجنوب لن يكون ساحة لحروب الآخرين، وأن قضيته لن تكون ورقة على طاولة الآخرين.
ويعكس هذا الموقف حساسية ملف القرار السياسي الجنوبي في ظل التنافس الإقليمي والتداخلات القائمة، ويؤكد أهمية أن تكون أي تفاهمات أو تسويات سياسية واضحة في ما يتعلق بمكانة الجنوب وحقوق شعبه، وألا يجري التعامل مع قضيته باعتبارها تفصيلًا قابلًا للتأجيل أو المساومة.
ويشير إعلاميون جنوبيون إلى أن التحدي لا يقتصر على مواجهة الخطابات المعادية للمشروع الجنوبي، بل يشمل أيضًا القدرة على التمييز بين الشراكات السياسية والعسكرية التي تخدم المصالح المشتركة، وبين الترتيبات التي قد تنتج عنها التزامات تمس مستقبل الجنوب أو تنتقص من حق شعبه في تقرير مصيره.
ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على العلاقات مع المحيط الإقليمي والدولي لا يتعارض مع التمسك بالقرار الوطني الجنوبي، بل يتطلب خطابًا سياسيًا واضحًا يحدد المصالح المشتركة، ويؤكد أن الشراكة الحقيقية تقوم على الاحترام المتبادل، لا على فرض الخيارات أو تجاوز الإرادة الشعبية.
معركة الوعي والإعلام
وفي موازاة التطورات السياسية والعسكرية، تتقدم معركة الوعي بوصفها أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل الجنوب. فالشائعات والحملات الإعلامية المتضاربة قادرة على توسيع الخلافات، وإضعاف الثقة، وإشغال الشارع بمعارك جانبية في وقت يحتاج فيه إلى فهم ما يجري، وتحديد الأولويات، ومتابعة القرارات التي تمس أمنه ومستقبله.
وتبرز هنا مسؤولية الإعلام الجنوبي في تقديم المعلومات الدقيقة، وتفنيد الأخبار المضللة، وفتح المجال للنقاش المسؤول، وعدم الانجرار وراء حملات التخوين أو إعادة نشر معلومات غير موثقة. كما تتطلب المرحلة خطابًا قادرًا على مخاطبة مختلف شرائح المجتمع، من الشباب إلى الشخصيات الاجتماعية والأكاديمية، بما يعزز الوعي بالقضية الجنوبية وتحدياتها السياسية.
وفي هذا السياق، دعا عبدالعزيز الشيخ، رئيس هيئة الإعلام والثقافة في المجلس الانتقالي الجنوبي، في تصريحات بمناسبة ذكرى ثورة 14 أكتوبر، إلى توحيد الصف وتعزيز الاصطفاف الوطني، مشيدًا بدور الجبهة الإعلامية الجنوبية في الدفاع عن الهوية الجنوبية والتصدي للمعلومات المضللة.
لكن مواجهة التضليل لا تتحقق بالشعارات وحدها؛ إذ تتطلب إعلامًا مهنيًا يتحرى الدقة، ويفصل بين الخبر والتحليل، ويستند إلى الوقائع، ويمنح الجمهور ما يساعده على تكوين موقف واعٍ. فالمبالغة أو تداول الأخبار غير المؤكدة قد يضعفان المصداقية، ويمنحان الخصوم فرصة للطعن في الرواية الجنوبية، بدلًا من تعزيز حضورها.
وحدة الصف مسؤولية سياسية ومجتمعية
وتبقى وحدة الصف الجنوبي أحد أبرز التحديات التي تتطلب معالجة مستمرة، خصوصًا في ظل اختلاف المواقف والاجتهادات السياسية والاجتماعية. فالتباين في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام يضعف الموقف العام، كما أن النقد المسؤول لا ينبغي أن يُقابل بالتخوين أو الإقصاء، ما دام يستند إلى الوقائع ويهدف إلى تصحيح المسار.
وتتطلب حماية وحدة الصف، وفق هذه الرؤية، توسيع مساحة الحوار بين القوى والشخصيات الجنوبية، وتعزيز حضور المؤسسات السياسية والاجتماعية، والابتعاد عن المناكفات التي تستنزف الجهد وتشتت الاهتمام عن القضايا الأساسية. كما تتطلب مشاركة أوسع من الأكاديميين والمثقفين والإعلاميين والشخصيات الاجتماعية في نشر الوعي، وشرح طبيعة التحديات التي تواجه الجنوب، وتقديم قراءات مسؤولة للتطورات الراهنة.
فالمشروع الوطني لا يستطيع الاعتماد على المواقف السياسية وحدها، بل يحتاج إلى مجتمع مدرك لحقوقه وتحدياته، وإلى خطاب يتجاوز الانفعال المؤقت نحو فهم المصالح الاستراتيجية للجنوب، وإلى ثقة متبادلة بين المجتمع ومؤسساته وقواه السياسية.
استحقاقات المرحلة المقبلة
إن خطورة المرحلة الحالية تفرض على الجنوبيين التعامل مع التطورات بعين مفتوحة على الميدان والسياسة والإعلام في آن واحد. فالمواجهة مع الحوثيين تظل تحديًا أمنيًا وعسكريًا، لكن حماية الجنوب تتطلب كذلك موقفًا سياسيًا متماسكًا، ووعيًا اجتماعيًا يحول دون استغلال الخلافات، وقدرة إعلامية على كشف التضليل ومواجهة محاولات إرباك الرأي العام.
كما أن الالتفاف حول المشروع الوطني الجنوبي لا يعني تعطيل النقد أو إغلاق باب الحوار، بل يتطلب ترسيخ نقاش مسؤول يضع مصلحة الجنوب وحقوق شعبه فوق الحسابات الضيقة، ويمنح الأولوية لحماية الأرض والقرار السياسي، وصون التضحيات التي قدمها الجنوبيون خلال السنوات الماضية.
وفي ظل تعدد المشاريع وتداخل المصالح، تبقى الرسالة الأهم أن مستقبل الجنوب لا ينبغي أن يُترك رهينة للتجاذبات أو التفاهمات التي لا يكون شعبه طرفًا فاعلًا فيها. فكلما ارتفع مستوى الوعي، وتماسك الصف، واتضحت الأولويات، ازدادت قدرة الجنوبيين على حماية قضيتهم والدفاع عن حقهم في تقرير مستقبلهم.
إن الجنوب يقف أمام مرحلة تحتاج إلى وضوح في الرؤية، وتماسك في الموقف، ومسؤولية في الخطاب. وهي مرحلة لا يكفي فيها استحضار التضحيات الماضية، بل تستدعي تحويلها إلى وعي سياسي ومجتمعي يحمي المكتسبات، ويواجه المخاطر، ويجعل استعادة الدولة الجنوبية هدفًا حاضرًا في العمل السياسي والإعلامي والاجتماعي، لا مجرد شعار يُرفع عند اشتداد الأزمات.

















