تواجه طرق زراعة الفلفل التقليدية خطر الاندثار تحت وطأة تغير المناخ وارتفاع التكاليف، ما يدفع المزارعين الباكستانيين إلى البحث عن سبل للتكيف.
تُعد باكستان من أكبر منتجي الفلفل الأحمر في العالم، فيما تُعرف بلدة كونري الصغيرة بأنها عاصمة الفلفل الأحمر في البلاد. ويجفف المزارعون محصولهم بالطريقة التقليدية، تحت أشعة الشمس، بينما تتحول أيام السوق إلى مشهد صاخب تغمره سحب الغبار، حتى إن الهواء المحمّل برائحة الفلفل الحار يتسبب في دموع العيون وحرقة الحلق، وفق ما ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” الاثنين 10 أغسطس 2026.
الطق المتطرف يهدد نمط الحياة
لكن الطقس المتطرف، من موجات الحر والفيضانات إلى الجفاف والتقلبات المناخية، إلى جانب الارتفاع الكبير في التكاليف التي ترافق هذه الظواهر، يهدد نمط حياة شكّل جزءًا من حياة أجيال من المزارعين، ويدفعه تدريجيًا نحو الاختفاء.
في صباح أحد الأيام، تجول أحسن علي دارس في حقله الذي كان يومًا أخضر ومزدهرًا بالفلفل الأحمر، لكنه أصبح الآن مليئًا بالمحاصيل المحروقة والتربة الجافة والمساحات الخالية. وكان يراقب السماء بحثًا عن مؤشرات على اقتراب موسم الرياح الموسمية، أملًا في أن تمنح الأمطار النباتات المتضررة من أشهر من الحرارة الشديدة بعض الحياة.
لكن السماء بقيت صافية، فيما كان من المتوقع أن تتجاوز درجات الحرارة خلال ساعات 120 درجة فهرنهايت.
أهمية الزراعة لباكستان
تمثل الزراعة نحو ربع الاقتصاد الباكستاني، وتوفر فرص العمل لنحو نصف القوة العاملة في البلاد. لكن باكستان، التي يزيد عدد سكانها على 250 مليون نسمة، تُعد من أكثر دول العالم عرضة لتداعيات تغير المناخ.
وقد دمرت الفيضانات الكارثية التي ضربت البلاد عام 2022 نحو 4.5 مليون فدان من الأراضي الزراعية، وهي مساحة تقارب مساحة ولاية نيوجيرسي الأمريكية، ولا يزال كثير من المزارعين في إقليمي السند والبنجاب يقولون إنهم لم يتعافوا بالكامل من آثارها.
معركة مستمرة
يُعد الفلفل الأحمر من أكثر المحاصيل تضررًا. ويقول المزارعون إن زراعة هذا المكوّن الأساسي في المطبخ الباكستاني أصبحت معركة مستمرة، في ظل تعاقب موجات الحر والفيضانات بصورة يصعب التنبؤ بها، وما يرافق ذلك من ارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما يثقل كاهل صغار المزارعين بصورة خاصة.
ولمواجهة هذه الظروف، بدأ بعض المزارعين في تغيير مواعيد الزراعة. فقد زرع دارس بذوره في مارس بدلًا من مايو في محاولة لمنح النباتات وقتًا أطول كي تنمو وتصبح أكثر قدرة على تحمل حرارة الصيف.
وتأتي أهمية كونري من كون المنطقة المحيطة بها تنتج أكثر من 85% من الفلفل الأحمر في باكستان. وفي موسم حصاد ناجح، تتحول البلدة التي يبلغ عدد سكانها نحو 25 ألف نسمة إلى مركز تجاري نشط، إذ يتوافد المزارعون والتجار والوسطاء للتفاوض حول أكوام الفلفل الأحمر التي قد يتجاوز ارتفاعها ثمانية أقدام. وفي الموسم الذي أعقب الحصاد العام الماضي، بيع في سوق كونري وحده أكثر من 200 طن متري يوميًا في المتوسط.
تحديات جديدة
لكن تغير المناخ بات يفرض تحديات جديدة حتى على مواعيد الزراعة. ففي هذا العام، كانت درجات الحرارة مرتفعة إلى حد جعل الزراعة في مارس صعبة، ما دفع دارس إلى تأجيلها حتى مايو، وهو ما قلّص موسم النمو وعرّض النباتات الصغيرة لمزيد من الإجهاد الحراري.
وبينما يسابق المزارعون الزمن والطقس، بدأ دارس وآخرون في استخدام كميات أكبر من الأسمدة لمحاولة إبقاء النباتات على قيد الحياة حتى موسم الحصاد الذي يبدأ في سبتمبر. وفي نهاية يوليو، وصلت الأمطار الموسمية أخيرًا إلى حقول دارس، لكنها جلبت معها خطرًا آخر، وهو هطول أمطار غزيرة قد تلحق أضرارًا بالمحصول.
ولا يقتصر الخطر على مرحلة الزراعة والحصاد، بل يمتد إلى عملية التجفيف التقليدية. فبعد حصاد الفلفل في سبتمبر، يُترك على الأرض تحت أشعة الشمس لنحو عشرة أيام. وقد تؤدي الرطوبة الزائدة إلى تعريض المحصول للفطريات وإفساده.
تنويع المحاصيل
ويقر المسؤولون المحليون بأن حجم المشكلة يفوق قدراتهم الحالية. وقدر محمد خان، أحد مسؤولي المنطقة في كونري، أن ما يصل إلى ثلث المحصول قد يُهدر خلال مرحلتي التجفيف والمعالجة، مشيرًا إلى أن التجفيف يمثل المشكلة الرئيسية لصغار ملاك الأراضي بسبب الرطوبة التي تتشكل ليلًا.
وفي مواجهة انخفاض الإنتاجية وارتفاع أسعار الأسمدة واستمرار صعوبات الري، بدأ كثير من المزارعين في تنويع محاصيلهم. وقرر دارس هذا العام تخصيص أربعة أفدنة لزراعة 800 شجرة بابايا، لكن حتى مع هذا التنويع، لا يرى أن هناك محصولًا مضمونًا في مواجهة الطقس المتطرف.

















