شهدت محافظات الجنوب العربي، وتحديداً حضرموت والمهرة، خلال شهر يناير 2026 تحولات ميدانية وأحداثاً دامية غير مسبوقة، مثلت انتهاكاً صارخاً للسكينة العامة وتصعيداً خطيراً استهدف عمق الاستقرار الأمني والعسكري .
غارات ممنهجة تحصد الأرواح
في الوقت الذي كانت فيه القوات المسلحة الجنوبية تؤدي واجبها الوطني في حماية المنشآت الحيوية وتأمين الشريط الساحلي والمنافذ الحدودية، تفاجأت الأوساط الميدانية بسلسلة من الغارات الجوية الغادرة التي شنها الطيران الحربي السعودي، مستهدفاً بشكل مباشر مواقع وتجمعات عسكرية تابعة للقوات الجنوبية . وكشفت مصادر عسكرية أن الطائرات السعودية شنت أكثر من 350 غارة جوية خلال الأسابيع الأخيرة، أسفرت عن سقوط نحو 80 قتيلاً وإصابة 152 آخرين .
ووثقت تقارير ميدانية استهداف سبع غارات جوية لمقر “اللواء 37” في منطقة الخشعة بوادي حضرموت، إحدى القواعد العسكرية الاستراتيجية في المحافظة . كما طالت الغارات منطقة زُبيد بمحافظة الضالع، حيث أسفرت عن استشهاد 25 شخصاً بينهم 5 نساء و7 أطفال . وشمل القصف ميناء المكلا ومطار سيئون، مما تسبب في حالة من الفوضى العارمة وعمليات نهب واسعة للأسلحة .
جرائم حرب مكتملة الأركان
يرى مراقبون قانونيون أن هذا القصف الجوي غير المبرر يشكل جرائم حرب مكتملة الأركان، خاصة مع استهداف المناطق السكنية والمرافق الحيوية . إذ تؤكد الاتفاقيات الدولية حظر استهداف القوات النظامية الحامية للاستقرار والمدنيين على حد سواء. وقد تواردت أنباء عن صعوبات كبيرة تواجه فرق الإسعاف في الوصول إلى الضحايا، وسط توقعات بارتفاع عدد الشهداء .
انعكاسات أمنية كارثية
لم تقف تداعيات هذا القصف عند حدود الخسائر البشرية، بل تعدتها لإحداث جرح عميق في الوجدان الشعبي الجنوبي، الذي يرى في مؤسسته العسكرية رمزاً للكرامة الوطنية والسيادة على الأرض . فاستهداف هذه القوات التي خاضت معارك حاسمة لتطهير الجنوب من تنظيمات القاعدة وداعش، أفسح المجال أمام القوى المتطرفة لإعادة ترتيب صفوفها واستغلال حالة الانكشاف الأمني الناجمة عن ضرب المواقع العسكرية .
صراع نفوذ على حساب الدماء
يُقرأ هذا التصعيد في سياق الصراع المحموم لتقاسم النفوذ في المحافظات الشرقية الغنية بالنفط والموارد . فمنذ سيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي على حضرموت والمهرة في ديسمبر 2025، تصاعدت التوترات مع الرياض التي سعت لاستعادة مواقعها عبر الغطاء الجوي المباشر، فيما وصفت قوات درع الوطن عملية استلام المعسكرات بأنها “إجراء وقائي مسؤول” .
ويبدو أن هذه الغارات تهدف إلى تقويض المنظومة الدفاعية والأمنية الجنوبية، وضرب صمام الأمان الوحيد لحماية المواطنين والسيطرة على الممرات المائية الاستراتيجية .
دعوات للمحاسبة الدولية
وسط هذا المشهد، تصاعدت المطالبات الشعبية والحقوقية بضرورة التوثيق القانوني المحايد لهذه الاعتداءات . وقد وصفت منظمات حقوقية دولية سابقاً الغارات السعودية في اليمن بأنها ترقى لمستوى جرائم حرب، ودعت إلى تعليق عضوية الرياض في مجلس حقوق الإنسان . وتؤكد المنظمات أن العدالة للشهداء تقتضي رفع هذا الملف إلى المحافل الدولية والمطالبة الصريحة بمحاسبة كل من تورط في إصدار الأوامر وتنفيذ هذه الجرائم .
الخلاصة
شكلت “جرائم يناير” في حضرموت والمهرة نقطة تحول خطيرة في مسار الصراع، حيث تحول الحليف إلى خصم، واستُخدم السلاح الجوي ضد شريك ميداني كان حتى وقت قريب جزءاً من المعادلة الأمنية . وتبقى المطالبة بالتحقيق المستقل والمحاسبة القضائية وتقديم التعويضات العادلة لأسر الشهداء والجرحى، الاستحقاق الأول لردع هذه التجاوزات وصون كرامة المؤسسة العسكرية الجنوبية وحق شعب الجنوب في حماية أرضه وتقرير مصيره.
















