الناشط الحقوقي والإعلامي أسعد أبو الخطاب
ليس غريبًا أن يخرج بين الحين والآخر من يعلن نهاية الجنوب مع كل انتكاسة ميدانية أو تطور سياسي، وكأن صفحات التاريخ لم تكتب إلا ليقرأها المنتصرون في لحظة، لا الشعوب التي صمدت عبر العقود.
الحقيقة التي يتجاهلها أصحاب الأحكام المتسرعة هي أن الشعوب لا تقاس بمعركة واحدة، ولا تطوى إرادتها بخبر عاجل أو حدث عابر.
التاريخ مليء بأمم تعرضت لانتكاسات قاسية، لكنها عادت لتكتب فصولًا جديدة من مسيرتها، لأن ما يحفظ الأوطان هو تماسك مجتمعاتها وإصرارها، لا نتائج مواجهة واحدة.
وفي الجنوب، لا تكاد تجد بيتًا إلا ويحمل قصة فقد أو تضحية أو معاناة.
هناك أسر ودعت أبناءها، وأخرى ما زالت تنتظر مفقوديها، وثالثة تعيش آثار سنوات طويلة من الصراع.
هذه الوقائع ليست شعارات، بل جزء من الذاكرة الجمعية التي يصعب تجاوزها أو اختزالها في تعليق ساخر أو تحليل متعجل.
أما أولئك الذين يسارعون بعد كل انتكاسة إلى كتابة “شهادة وفاة” الجنوب، فيشبهون من ظن أن سقوط مدينة يعني سقوط أمة، أو أن تعثر جيش في معركة يعني نهاية التاريخ.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الأحكام الانفعالية كثيرًا ما تتبدد أمام صلابة الواقع.
التاريخ يعلمنا أن الهزائم العسكرية لا تكون دائمًا نهاية المطاف، وأن مسارات الصراعات كثيرًا ما شهدت مراحل كرّ وفرّ قبل أن تستقر نتائجها.
ولهذا فإن قراءة الأحداث بعين اللحظة وحدها كثيرًا ما تقود إلى استنتاجات خاطئة.
إن الاختلاف في الرأي مشروع، والنقد حق، لكن السخرية من تضحيات الناس أو التقليل من معاناتهم لا يغير من الحقائق شيئًا.
التاريخ لا يحفظ أسماء من أكثروا من الشماتة، بقدر ما يتذكر من صبروا، ومن تحملوا الأثمان، ومن واصلوا الدفاع عن قناعاتهم بالوسائل التي يرونها مشروعة.
قد تتغير الموازين، وقد تتبدل الظروف، لكن ما دام في كل بيت جنوبي قصة تضحية، فإن تلك القصص ستظل جزءًا من الذاكرة التي تشكل هوية المجتمع، وستبقى الإرادة حية في نفوس أصحابها، مهما اختلفت القراءات والمواقف السياسية.

















