مع الإعلامية / منى عبدالله
أهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الخاص، الذي نسلط فيه الضوء على المشهد اليمني المعقد والمليء بالتحولات المتسارعة. يسعدنا أن نستضيف اليوم الأستاذة الإعلامية (منى عبدالله) عضو في القيادة المحلية في المجلس الإنتقالي الجنوبي العربي (مديرية الشحر) مديرة تحرير صحيفة عرب تايم الإلكترونية / أهلاً بك سيدتي الفاصلة.
★ أهلاً بك وبالجميع، ويسعدني التواجد معكم لقراءة هذا المشهد بالغ التعقيد.
تفريخ الكيانات” السياسية ودور المجلس الانتقالي الجنوبي في التسويات القادمة.
★ المحور الأول: ظاهرة تفريخ الكيانات السياسية (الأسباب والدوافع)
س / دعينا نبدأ من المستجدات الأخيرة؛ يشهد المشهد اليمني حالياً حالة ملحوظة من إعادة التشكيل، وتحديداً ما يوصف “بتفريخ كيانات ومجالس سياسية وقبلية” جديدة، سواء في الشمال أو الجنوب (مثل مجلس حضرموت الوطني، أو الكيانات الموازية الأخرى ومؤخراً مجلس المستقبل الجنوبي لفادي باعوم ) فما هي الأسباب البنيوية والسياسية التي أدت إلى تكرار توليد مثل هذه الكيانات في هذا التوقيت بالذات؟
ج / تحية لك أخي الفاضل إن ظاهرة “تفريخ الكيانات” في الجغرافيا اليمنية ليست عشوائية، بل هي نتاج إستراتيجية واعية و محسوبة تقف وراءها ديناميكيات داخلية وإقليمية، ويمكننا تلخيص الأسباب في ثلاثة أبعاد رئيسية:
أولاً: أوراق الضغط في “ربع الساعة الأخير”: مع اقتراب الأطراف الدولية والإقليمية من بلورة ملامح تسوية سياسية شاملة، تسعى قوى محلية مدعومة خارجياً إلى إيجاد موطئ قدم لها على طاولة المفاوضات. هذه الكيانات الجديدة تُخلق لتكون “كرتاً سياسياً” يمنح مؤسسيها حق الفيتو أو حصة في المحاصصة القادمة.
ثانياً: استراتيجية “التفتيت والإحتواء” الإقليمي: هناك رغبة من بعض الأطراف الإقليمية في إضعاف القوى الكبرى المهيمنة على الأرض على سبيل المثال، في الجنوب، جاء تفريخ بعض المكونات لكسر احتكار “المجلس الانتقالي الجنوبي العربي ” لتمثيل القضية الجنوبية، ومحاولة خلق توازن قوى يمنع طرفاً واحداً من فرض شروطه الاستراتيجية (كالإنفصال أو السيطرة التامة على ممرات الطاقة والبحار) ولهذا يعاد تكرار التفريخ لإعتقادهم أنهم سيضعفون القوى المهيمنة على الأرض ولكن كل إعتقاداتهم خاطئة وباءت بالفشل.
ثالثاً: الفراغ الدستوري وتآكل شرعية الدولة: غياب مؤسسات الدولة المركزية الحقيقية جعل الولاءات الفرعية (المناطقية، القبلية، والمذهبية) تطفو على السطح. كل منطقة أو نخب محلية أصبحت تشعر أن مصيرها مهدد، مما يدفعها للاحتماء بكيان محلي خاص لضمان ثرواتها وتمثيلها الإداري مستقبلاً.
★ المحور الثاني: دور المجلس الانتقالي الجنوبي العربي في التسويات القادمة
س/ بالإنتقال إلى الطرف الأبرز في جنوب اليمن؛ المجلس الانتقالي الجنوبي العربي يجد نفسه اليوم أمام تحدي هذه الكيانات الناشئة من جهة، وأمام استحقاقات التسوية الدولية مع الحوثيين من جهة أخرى. كيف تقرؤون الدور القادم للمجلس الانتقالي في صياغة التسويات السياسية النهائية؟
ج/ المجلس الانتقالي الجنوبي لم يعد مجرد فصيل مسلح أو مكون سياسي عابر؛ لقد تحول إلى “سلطة أمر واقع” تمتلك الأرض، ومؤسسات عسكرية مدربة، واعترافاً ضمنياً من خلال “اتفاق الرياض” ومشاركته في “مجلس القيادة الرئاسي” قبل ما يتم إحلالة بعد حرب حضرموت في يناير من السنة الماضية وتجميد مؤسساته ونشاطاته وتقييدها من قبل سلطة الأمر الواقع المحتلة. حيث أن دورة القادم محكوم بمسارين إستنتاجيين:
★ المناورة داخل الشرعية: المجلس الإنتقالي سيستمر الإثبات أنه الممثل الوحيد للشعب الجنوبي من خلال حفاظه على الميثاق الوطني حيث أنه يتطلب جهد وحضور دائم حتى لا يفقد المصداقية ولكي يتمكن من إستعادة مكانتة داخل الشرعية من خلال تواجدة المستمر في الميدان وفرض أمر واقع للحصول على الغطاء الشرعي والتمثيل الدولي في أي مفاوضات ترعاها الأمم المتحدة مع الحوثيين لاحقاً.
★ فرض الإطار الخاص بالقضية الجنوبية: الإنتقالي يدرك أن أي تسوية تتجاوز “وضع إطار خاص لحل قضية شعب الجنوب” في الجلسات الأولى للمفاوضات ستكون تسوية ولدت ميتة. لذلك، دوره القادم سيكون دور “المُعطّل الإيجابي”؛ لن يمرر أي اتفاق سلام شامل لا يضمن له حق تقرير المصير أو صيغة فيدرالية مؤقتة تنتهي بالاستفتاء وحل الدولتين والعودة إلى حدود ما قبل 1990م
ج/ ولكن، ألا تعتقدين سيدتي أن الكيانات المفرخة حديثاً في حضرموت والمهرة و شبوة قد تضعف موقفه التفاوضي وتظهره كطرف لا يمثل كل الجنوب؟
ج/ هذا هو الهدف الأساسي من تفريخها بالفعل. الإستنتاج التحليلي هنا يشير إلى أن المجلس الانتقالي يواجه اختباراً حقيقياً لـ “مرونته السياسية”. إذا تعامل مع هذه الكيانات بالإقصاء أو القوة العسكرية، سيفقد مشروعيته السياسية دولياً. أما إذا نجح في استيعابها عبر “الميثاق الوطني الجنوبي” والحوار المستمر، وتدوير المناصب، فإنه سيفرغ تلك الكيانات من مضمونها ويقوي موقفه التفاوضي باعتباره المظلة الأكبر على الأرض حيث كان هؤلاء المنشقون جزء لا يتجزأ من مجلسه ولكنهم تمردوا وإتبعوا الأهواء والآن يواجهون الرفض من قبل الشعب الجنوبي لتمسكهم التام بمجلسهم الإنتقالي وحامل قضيتهم الوحيد.
★ المحور الثالث: السيناريوهات المستقبلية لليمن والتسوية الشاملة
س / إذاً، نحن أمام جغرافيا ممزقة بكيانات متعددة الولاءات، ومجلس إنتقالي يتمسك بمشروع الإستقلال، وجماعة حوثية تسيطر على الكثافة السكانية في الشمال. بناءً على هذه المعطيات، ما هو السيناريو الأكثر واقعية لشكل الاستقرار أو التسوية في اليمن؟
ج/ القراءة التحليلية للتحركات الدولية والإقليمية تضعنا أمام ثلاثة سيناريوهات، أرجحها هو السيناريو الثاني:
1_ سيناريو “البلقنة والتشظي المستدام” (الوضع الراهن): استمرار حالة لا حرب ولا سلم، مع بقاء الكيانات الصغيرة تنهش في جسد الجغرافيا اليمنية، مما يحول اليمن إلى كانتونات ومناطق نفوذ مغلقة يديرها أمراء حرب محليون بتمويل خارجي.
2_ سيناريو “الدولتين الكونفيدراليتين” (الأقرب واقعياً): الوصول إلى تسوية مرحلية تقر بوجود سلطتين رئيسيتين: سلطة في الشمال يقودها الحوثيون (بشكل أو بآخر)، وسلطة في الجنوب يمثل المجلس الانتقالي الجنوبي العربي عمودها الفقري بالتحالف مع قوى جنوبية أخرى. تجمعهما صيغة “كونفدرالية مؤقتة” لإدارة الثروات والمنافذ لعدة سنوات قبل الاستفتاء النهائي.
3_ سيناريو “الدولة الاتحادية من عدة أقاليم”: وهو المشروع الذي تدعمه بعض القوى التقليدية والإقليمية، لكنه يواجه صعوبة بالغة في التطبيق على الأرض لأن القوى المسلحة الحقيقية (الحوثيون والإنتقالي) ترفض العودة إلى مربع اليمن الواحد بصيغته القديمة.
ج / كلمة أخيرة سيدتي.. هل ترين أن قطار التسوية قد انطلق بالفعل أم أن هناك جولات صراع مؤجلة؟
ج / قطار التسوية الدبلوماسية انطلق إقليمياً، لكن محركاته المحلية لا تزال معطلة. غياب الثقة، وتفريخ الكيانات المستمر، وتضارب مصالح القوى الإقليمية، كلها مؤشرات تدل على أننا قد نشهد “جولة تصعيد عسكري تكتيكي” أخيرة، يسعى من خلالها كل طرف (بما فيهم الإنتقالي والحوثيين) لتعديل خطوط التماس على الأرض قبل التوقيع النهائي على ورقة السلام.
شُكراً جزيلآً لك الأستاذة الإعلامية ( منى عبدالله) مديرة تحرير صحيفة عرب تايم على هذا التحليل العميق والشامل للمشهد اليمني والذي إطلعنا من خلالة على آخر المستجدات في الساحة الجنوبية وتأثيرها على مسار السلام الإقليمي في ظل الإختراقات المتواصلة لإضعاف القوى الضاربة على الأرض ومحاولات الإلتفاف على مشروع القضية الجنوبية.

















