تمثل الدعوة العامة التي أطلقها الاتحاد العام لنقابات عمال الجنوب لجميع قياداته، وقواعده، والاتحادات المهنية، ومنظمات المجتمع المدني، وجموع المواطنين للاحتشاد صباح الإثنين أمام مقر الأمم المتحدة ومكتب المبعوث الدولي في خورمكسر، نقطة تحول استراتيجية في مسار الحراك الاحتجاجي الجنوبي.
وتكتسب الاستجابة الفاعلة والواسعة لهذه الدعوة أهمية بالغة تتجاوز الأبعاد المطلبية التقليدية، لتتحول إلى استفتاء شعبي وعمالي يرفض القبول بسياسة الأمر الواقع، ويسعى إلى فرض معادلة سياسية واقتصادية جديدة تحمي الإنسان الجنوبي وقضيته العادلة بكل قوة واقتدار.
إعادة صياغة طبيعة العلاقة مع المجتمع الدولي والبعثة الأممية
تتجلى الأهمية الأولى لهذه الاستجابة في إعادة صياغة طبيعة العلاقة مع المجتمع الدولي؛ فالاحتشاد أمام البعثة الأممية ليس مجرد طقس احتجاجي، بل هو أداة ضغط سياسي واعي لوضع الأمم المتحدة والمبعوث الدولي أمام مسؤولياتهما الإنسانية والأخلاقية المباشرة تجاه الأوضاع المتردية.
وهذا الحضور الحاشد يهدف بوضوح تام إلى كسر حالة الصمت الدولي المطبق تجاه حرب الخدمات الممنهجة وسياسة التجويع المعتمدة التي يعانيها شعب الجنوب العربي منذ سنوات طويلة دون أي تحرك جاد من الجهات المعنية للحد من هذه المأساة المستمرة.
استعراض مصفوفة المعاناة وانهيار الخدمات والعملة المحلية
ومن خلال تقديم مصفوفة المعاناة المتمثلة في الانهيار التاريخي للعملة المحلية، والارتفاع الجنوني لأسعار السلع الأساسية، والتردي الكارثي للخدمات كالمياه والكهرباء، وتأخر صرف رواتب الموظفين لفترات طويلة، ينتزع الحراك النقابي اعترافًا دوليًا بأن الملف الإنساني في الجنوب لا يمكن فصله أبدًا عن مسار التسوية السياسية الشاملة.
وتؤكد هذه المعطيات الواقعية أن الاستمرار في تجاهل هذه الأزمات المعيشية الخانقة سيؤدي حتمًا إلى انفجار غضب شعبي واسع النطاق لا يمكن السيطرة عليه بسهولة، مما يحتم على كافة الأطراف الدولية الفاعلة التدخل العاجل لإنقاذ الوضع الإنساني المتدهور في مختلف المحافظات الجنوبية دون تأخير أو تسويف.
توحيد الجبهة الداخلية الجنوبية والتكامل مع الهبة الشعبية
من جانب آخر، تكمن القوة التحليلية لهذا الاحتشاد الجماهيري الكبير في قدرته الفائقة على توحيد الجبهة الداخلية الجنوبية؛ إذ يمثل دمج القواعد العمالية بالحراك المدني والهبة الشعبية التي دعا إليها الرئيس الزبيدي والمجلس الانتقالي الجنوبي العربي نموذجًا فريدًا للتكامل بين الأداة النقابية والغطاء السياسي والشعبي الواسع.
وهذا التلاحم الوطني المباشر يوجه رسالة حاسمة وقوية لقوى الوصاية وسلطات الفساد بأن الورقة الاقتصادية الخبيثة التي استُخدمت طويلًا لتركيع شعب الجنوب وإخضاعه سياسيًا واهيًا قد ارتدت عكسيًا تمامًا، لتصبح وقودًا ملتهبًا لثورة وعي منظمة تقودها النخب العمالية والمدنية بكل اقتدار.
تدشين مراحل تصعيدية جديدة ورفض دفع ضريبة الصراعات
إن النجاح المسبق في تحقيق حضور وازن وعرب تايموع في وقفة الإثنين يمنح الاتحاد العام لنقابات عمال الجنوب الشرعية الشعبية الكاملة لتدشين مراحل تصعيدية ميدانية أكثر حسمًا وتأثيرًا في المستقبل القريب لمواجهة كافة التعسفات والممارسات غير القانونية التي تستهدف لقمة عيش المواطنين ومقدراتهم الحياتية.
فالرسالة القوية التي ستنطلق بكل وضوح من ساحات خورمكسر ستؤكد للعالم أجمع أن أبناء الجنوب العربي لم يعودوا مستعدين تمامًا لتحمل دفع ضريبة الصراعات السياسية العبثية من قوت يومهم وأمنهم المعيشي، وأن الأدوات السلمية المشروعة قادرة بكفاءة عالية على شل حركة وقدرة أي سلطة تحاول العبث بسيادة الجنوب أو مقدرات شعبها الاقتصادية الحيوية.

















