في مشهد جماهيري واسع، أحيت العاصمة عدن، يوم أمس الثلاثاء، الذكرى الـ55 لتأسيس الجيش الجنوبي، بحضور حشود كبيرة من أبناء الجنوب الذين توافدوا إلى ساحة العروض في خور مكسر، بالتزامن مع فعاليات مماثلة في حضرموت، في مناسبة حملت طابعًا عسكريًا ووطنيًا، ورسائل سياسية تجاوزت حدود الاحتفاء بذكرى تأسيس المؤسسة العسكرية.
الحشد الجماهيري الذي جمع أبناء عدن ومحافظات جنوبية أخرى، عكس حضور قضية القوات المسلحة الجنوبية في المشهد العام، وسط تأكيدات متكررة من المشاركين والمتحدثين على ضرورة الحفاظ عليها باعتبارها أحد أبرز المكتسبات الوطنية الجنوبية، وعدم السماح بتفكيكها أو استخدامها في صراعات لا ترتبط بمصالح الجنوب.
ورفعت الجماهير أعلام الجنوب وصور الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي، ورددت شعارات أكدت تمسكها بالقضية الجنوبية وثوابتها السياسية، فيما ركزت الكلمات التي ألقيت خلال الفعالية على تاريخ الجيش الجنوبي، وتضحيات منتسبيه، ودور القوات المسلحة الجنوبية في مواجهة التنظيمات الإرهابية وحماية المحافظات الجنوبية.
من ذكرى التأسيس إلى قراءة المشهد الراهن
لم تقتصر المناسبة على استعادة تاريخ الجيش الجنوبي منذ تأسيسه قبل 55 عامًا، بل ربط المتحدثون بين إرث المؤسسة العسكرية الجنوبية والقوات المسلحة الجنوبية التي تشكلت خلال السنوات الماضية، مؤكدين أنها تمثل امتدادًا لذلك التاريخ من حيث الهوية والخبرة والتجربة العسكرية.
وتوقفت الكلمات أمام ما قدمه منتسبو القوات الجنوبية من تضحيات في معارك مواجهة الإرهاب، وما حققته من مكاسب ميدانية، إلى جانب مشاركتها في حماية الأمن والاستقرار ومواجهة التهديدات التي تطال الجنوب ومحيطه الإقليمي.
وفي هذا السياق، جرى التأكيد على أن الحفاظ على القوات المسلحة والأمن الجنوبية لم يعد مجرد مطلب عسكري، بل قضية مرتبطة بمستقبل الجنوب وقدرته على حماية أرضه ومقدراته وقراره.
كلمة الأمين العام.. القرار الجنوبي في صدارة الرسائل
وحملت كلمة الأمين العام للأمانة العامة لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، وضاح الحالمي، مجموعة من الرسائل السياسية التي ركزت على مستقبل القوات المسلحة والقضية الجنوبية.
ومن أبرز ما تضمنته الكلمة:
* نقل تحيات الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي إلى الجماهير وأبطال القوات المسلحة والأمن، والإشادة بصمودهم وحضورهم.
* التأكيد على أن ذكرى تأسيس الجيش الجنوبي تستحضر تاريخ مؤسسة عسكرية ارتبطت بالعزة والسيادة والتضحيات الوطنية.
* اعتبار القوات المسلحة الجنوبية جزءًا من الهوية الوطنية الجنوبية وأحد أهم المكتسبات التي يتوجب الحفاظ عليها.
* رفض أي هياكل أو مجالس تنسيقية قال إنها تنتقص من إرادة شعب الجنوب أو تعيد إنتاج مشاريع الوصاية والهيمنة.
* التشديد على أن مستقبل الجنوب وأرضه وثرواته وقراره السياسي يجب أن يظل مرتبطًا بإرادة أبنائه، بعيدًا عن أي ضغوط أو إملاءات خارجية.
* التأكيد على أن قرار الحرب والسلام قرار جنوبي تحكمه المصلحة الوطنية، مع رفض الزج بالقوات الجنوبية في صراعات لا تخدم أهداف الجنوب.
* الدعوة إلى وحدة الصف وصون المؤسسات الوطنية، والوفاء لتضحيات الشهداء والجرحى والمناضلين.
* المطالبة بالإفراج عن المعتقلين والناشطين الجنوبيين، ودعوة المنظمات الحقوقية إلى رصد وتوثيق ما وصفته الكلمة بحملات القمع والاعتقال.
* تجديد التمسك بمضامين البيان السياسي والإعلان الدستوري الصادرين في 2 يناير 2026، باعتبارهما جزءًا من المسار السياسي نحو الاستقلال وبناء الدولة الجنوبية.
البيان السياسي يرفع سقف المواقف
وجاء البيان السياسي الصادر عن مليونية الذكرى الـ55 أكثر وضوحًا في تحديد المواقف تجاه الملفات العسكرية والسياسية الراهنة.
وأكد البيان التمسك بالقوات المسلحة الجنوبية باعتبارها منجزًا وطنيًا وسياديًا غير قابل للتفريط، مشيدًا بتضحيات منتسبيها، ومجددًا التأكيد على استمرار بنائها وتطويرها.
كما استعاد البيان أحداث يناير الماضي، معتبرًا ما تعرضت له القوات الجنوبية حينها استهدافًا انعكست تداعياته، بحسب البيان، على الوضع الأمني والعسكري في الجنوب والمنطقة.
وفي أبرز مواقفه، أعلن البيان:
أولًا: رفض أي مخططات تستهدف تفكيك القوات المسلحة الجنوبية أو إضعاف وحداتها والنيل من إنجازاتها العسكرية.
ثانيًا: التأكيد على أن قرار الحرب والسلام قرار سيادي جنوبي، وأن القوات الجنوبية ستواصل أداء واجبها في حماية الأرض والشعب.
ثالثًا: رفض تحويل القوات المسلحة الجنوبية إلى أداة في صراعات أو أجندات لا تخدم المصالح الجنوبية.
رابعًا: رفض ما وصفه البيان بمحاولات إعادة تشكيل المشهد السياسي الجنوبي عبر مكونات ومجالس جديدة، معتبرًا أنها تستهدف إضعاف الحامل السياسي للقضية الجنوبية.
خامسًا: الإشادة بالمواقف الشعبية في حضرموت الرافضة لما وصفه البيان بالمشاريع المفروضة على المحافظة، والتأكيد على أهمية الإرادة الشعبية في تحديد مستقبل الجنوب.
سادسًا: تحميل سلطات الوصاية المدعومة سعودياً مسؤولية ما وصفه البيان بالقمع والاعتقالات التي تطال ناشطين وقيادات جنوبية، والمطالبة بوقف تلك الممارسات.
سابعًا: دعوة المنظمات الحقوقية الدولية إلى توثيق الانتهاكات، مع المطالبة بالإفراج عن عدد من المعتقلين والناشطين الجنوبيين.
ثامنًا: تجديد التمسك بأهداف الثورة الجنوبية ومضامين البيان السياسي والإعلان الدستوري الصادرين في 2 يناير 2026، وصولًا إلى الاستقلال واستعادة وبناء الدولة الجنوبية على حدود عام 1990.
حضرموت وعدن.. رسالة جنوبية واحدة
ولم يكن اختيار عدن وحضرموت كمحورين للحشد مجرد تفصيل تنظيمي، إذ حاولت الفعالية تقديم صورة عن اتساع الحضور الشعبي للمناسبة في المحافظات الجنوبية.
وفي الوقت الذي احتضنت فيه ساحة العروض بالعاصمة عدن الحشود الرئيسية، حضرت حضرموت بقوة في الخطاب السياسي للمليونية، خصوصًا فيما يتعلق برفض أي ترتيبات سياسية لا تحظى بقبول أبناء المحافظة.
وعكست هذه الرسائل رغبة واضحة في التأكيد على أن مستقبل الجنوب، وفق رؤية المشاركين، ينبغي أن يُبنى على توافق أبنائه وإرادتهم، وليس على ترتيبات تفرض من خارج المشهد الجنوبي.
القوات الجنوبية.. عنوان المرحلة
وأجمع الخطاب الذي رافق المليونية، رغم تعدد المتحدثين، على وضع القوات المسلحة الجنوبية في صدارة الأولويات.
فبالنسبة للمشاركين، لا تمثل القوات الجنوبية مجرد قوة عسكرية، وإنما ترتبط بما يعتبرونه حصيلة سنوات من المواجهة والتضحيات، خصوصًا في الحرب على التنظيمات الإرهابية، وحماية المدن والمحافظات الجنوبية.
ومن هنا جاء التشديد على رفض أي مسار يؤدي إلى تفكيكها أو إضعافها، بالتوازي مع الدعوة إلى توحيد الصف الجنوبي وتعزيز المؤسسات الأمنية والعسكرية.
رسالة سياسية تتجاوز المناسبة
وفي ختام المليونية، بدا واضحًا أن الذكرى الـ55 لتأسيس الجيش الجنوبي تحولت إلى مناسبة لإعادة طرح مجموعة من الملفات التي تتصدر المشهد الجنوبي: مستقبل القوات المسلحة، استقلال القرار السياسي، العلاقة مع الأطراف الإقليمية، الاعتقالات والانتهاكات، ومستقبل القضية الجنوبية.
وبينما أكدت الجماهير تمسكها بقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي والرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي، حمل البيان السياسي رسالة أكثر اتساعًا، مفادها أن الحضور الشعبي للقضية الجنوبية، وفق ما عبّر عنه المشاركون، لا يزال قائمًا، وأن محاولات إعادة صياغة المشهد بعيدًا عن الإرادة الجنوبية ستواجه برفض سياسي وشعبي.
وهكذا أسدلت المليونية الستار على فعالية لم تكن مجرد احتفال بذكرى تأسيس مؤسسة عسكرية، بل منصة لإعلان مواقف سياسية واضحة بشأن مستقبل القوات المسلحة الجنوبية، ورفض الوصاية، والتمسك بالقرار الجنوبي، ومواصلة المسار السياسي الذي يراه أنصار القضية الجنوبية طريقًا نحو الاستقلال وبناء الدولة.















