وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه محافظات الجنوب مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الملفات العسكرية والسياسية والأمنية، فيما تتزايد الأصوات الجنوبية المطالبة بأن تكون قضية الجنوب وتضحيات أبنائه حاضرة في أي ترتيبات تتصل بمستقبل المؤسسة العسكرية والقرار السياسي في البلاد.
وبحسب ما أوردته مصادر محلية، فقد شهدت الضالع اعتراضا لموكب الوزير، بالتزامن مع إغلاق طرق ومداخل في المحافظة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى إطلاق نار أسفر، وفق الروايات المحلية المتداولة، عن إصابة ثلاثة أشخاص، بينهم اثنان من مرافقي الوزير وطفل من المارة.
فالضالع ليست مجرد محافظة تقع على خطوط التماس، بل واحدة من أبرز البيئات الجنوبية التي ارتبط اسمها بالمقاومة والصمود، وقدمت على مدى سنوات طويلة قوافل من الشهداء والجرحى في مواجهة الحوثيين وفي الدفاع عن الأرض الجنوبية.
ومن هنا، فإن أي تحرك عسكري أو سياسي داخل المحافظة من قوى الاحتلال اليمني لا يمكن فصله عن المزاج الشعبي العام، ولا يمكن التعامل معه باعتباره إجراء إداريا أو ميدانيا مجرد من الرسائل السياسية التي قد يحملها توقيته وطبيعته والجهة التي تقف خلفه.
ما كشفته الأحداث أن حالة الغضب في الضالع والجنوب لا تتعلق بالزيارة وحدها، بل تعكس تراكمًا من المخاوف والهواجس المرتبطة بمستقبل الجنوب وحق أبنائه في أن يكونوا شركاء حقيقيين في صناعة القرار الذي يمس أرضهم وقواتهم ومستقبلهم السياسي.
فقد تحمل أبناء الجنوب أعباء ثقيلة في مختلف مراحل الصراع، وخاضت القوات الجنوبية معارك قاسية ضد الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، بينما ظلت مسألة القرار العسكري والسياسي واحدة من أكثر القضايا حساسية بالنسبة للقوى والمجتمع الجنوبي.
وفي هذا السياق، تبدو الرسالة التي خرجت من الضالع واضحة لا يمكن تجاهل خصوصية الجنوب، ولا يمكن تجاوز تضحيات أبنائه، ولا يمكن فرض ترتيبات عسكرية وسياسية بمعزل عن القوى الجنوبية التي تحملت الجزء الأكبر من كلفة المواجهة على الأرض.
وتزداد حساسية المشهد عندما يتعلق الأمر بمحافظة بحجم الضالع، التي لا تزال ذاكرتها مفتوحة على سنوات من الحرب والمواجهات والدماء، ولذلك فإن أي زيارة لمسؤول عسكري من قوى الاحتلال اليمني ينبغي أن تُبنى على قدر كبير من التواصل والاحترام وفهم طبيعة المحافظة ومواقف أبنائها.
ان المشهد الذي شهدته الضالع يعيد طرح قضية أوسع تتعلق بالتعامل مع محافظات الجنوب باعتبارها بيئات سياسية واجتماعية لها خصوصيتها، وليست مجرد ساحات عسكرية يمكن التحرك داخلها بعيدًا عن حسابات المجتمع المحلي.
فالجنوب، كما تؤكد الوقائع المتراكمة، لم يعد يقبل أن تكون تضحيات أبنائه ورقة تُستدعى عند الحاجة العسكرية، ثم يجري تجاهل تطلعاتهم السياسية والوطنية عندما يحين وقت تحديد شكل القرار ومستقبل الدولة والقوات والموارد.
وهنا تبرز أهمية الدور الذي يضطلع به الرئيس القائد عيدروس الزبيدي في الدفاع عن تطلعات أبناء الجنوب، والتأكيد على أن أي ترتيبات مستقبله لا يمكن أن تتجاوز الإرادة الجنوبية أو تتعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها ملفا ثانويا يمكن تأجيله.
وتؤكد الأحداث في الضالع أن القضية الجنوبية لم تعد مجرد خطاب سياسي، وإنما أصبحت واقعًا حاضرًا في الشارع وفي الميدان وفي الوعي العام لأبناء محافظات الجنوب، وأن تجاهل هذا الواقع لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان.
ومع ذلك، فإن الحفاظ على عدالة القضية الجنوبية وقوة مطالبها يقتضي كذلك أن تبقى وسائل التعبير عنها سياسية وسلمية، وأن لا تتحول الخلافات إلى مواجهات مسلحة داخل المدن أو إلى تهديد لحياة المدنيين.
فالضالع التي تواجه الحوثيين وتعرف معنى المعركة، ليست بحاجة إلى فتح جبهة داخلية جديدة، كما أن أبناء الجنوب الذين يطالبون بحقوقهم السياسية والوطنية لا يحتاجون إلى ما يضعف موقفهم أو يمنح خصوم قضيتهم فرصة لتشويه مطالبهم.
.
فالعدو الحقيقي الذي يهدد الأرض الجنوبية ما يزال حاضرا، وفي مقدمة ذلك مليشيات الحوثي التي تخوض ضدها القوات الجنوبية معارك متواصلة، وهو ما يجعل الحفاظ على التماسك الداخلي أولوية لا يمكن التفريط بها.
.
كما أن الشارع الجنوبي يريد أن يشعر بأن تضحيات أبنائه تحظى بالتقدير، وأن قواته ليست مجرد أدوات في معارك الآخرين، وأن أبناء محافظات الجنوب شركاء في القرار وليسوا مجرد منفذين لقرارات تصدر من خارج بيئتهم السياسية والاجتماعية.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على طرف واحد، وإنما تشمل مختلف الأطراف، وفي مقدمتها القيادات السياسية والعسكرية، التي يتوجب عليها إدراك أن الجنوب دخل مرحلة مختلفة، وأن لغة الفرض والاستفزاز لم تعد قادرة على صناعة الاستقرار.
فالضالع وجه من وجوه الجنوب، وما يحدث فيها يكتسب حساسية خاصة، لأنها محافظة دفعت أثمانًا باهظة في سبيل الدفاع عن أرضها، ولا تزال في مقدمة محافظات الجنوب المواجهة لمشروع الحوثيين.
كما إن الرسالة الأبرز التي خرجت من الضالع هي أن الجنوب يريد أن يكون حاضرا في تقرير مستقبله، وأن تضحيات أبنائه يجب أن تتحول إلى شراكة سياسية وعسكرية حقيقية، لا إلى مجرد أرقام تُستعاد عند الحديث عن المعارك والانتصارات.
أما زيارة العقيلي، فقد كشفت أن الطريق إلى الجنوب لا يمر فقط عبر المواقع العسكرية والجبهات، بل عبر فهم عميق لتاريخ الأرض ومزاج المجتمع وخصوصية القضية الجنوبية.
ان أبناء الجنوب ، محمي بشعبه وقواته و خلف المشروع الجنوبي، بقيادة الرئيس عيدروس الزبيدي، الذي يمثل تطلعات أبناء الجنوب والدفاع عن حقهم في تقرير مستقبلهم بعيدًا عن أي وصاية أو فرض للأمر الواقع.
فالضالع ليست مجرد عنوان لحادثة أمنية، بل رسالة سياسية من محافظة دفعت كثيرًا من الدماء، ومفادها أن الجنوب يريد احترام إرادته، وأن أي ترتيبات تتعلق بأرضه وقواته ومستقبله لا يمكن أن تنجح دون حضور حقيقي لصوت أبنائه.














