كتب/ أ. عبدالرحمن يحيى صالح القديمي
هناك رجالٌ لا تُقاس مكانتهم بالمناصب التي تقلدوها، ولا بعدد السنوات التي قضوها في مواقع المسؤولية، بل بما تركوه من أثرٍ طيب في نفوس الناس، وما غرسوه من قيمٍ ومبادئ في ذاكرة الأجيال. ومن هؤلاء الرجال الذين يستحقون الوفاء والتقدير، الأستاذ القدير عبدالقوي حسين قاسم، أحد الكوادر التربوية التي ارتبط اسمها بالعطاء والإخلاص والعمل المسؤول في مديرية المفلحي.
المولد والنشأة والرحلة التعليمية
وُلد الأستاذ عبدالقوي حسين قاسم في مدينة الجربة المفلحي يافع عام 1954
نشأ في بيئةٍ عُرفت بالأصالة والتمسك بالقيم. بدأ رحلته التعليمية في منطقة خلّة بالضالع، حيث أكمل دراسته الابتدائية، ثم انتقل إلى مدينة الضالع لمواصلة دراسته الإعدادية.
أما المرحلة الثانوية، فقد كانت محطته الأولى في مدينة الشعب بالعاصمة عدن، قبل أن ينتقل إلى مدينة الحوطة بمحافظة لحج، حيث أتم دراسته الثانوية، ليبدأ بعدها رحلة العطاء في ميدان التربية والتعليم.
مسيرة تربوية حافلة بالعطاء والمسؤولية
في عام 1973م، عُيّن معلماً في مدرسة الشهيد عبدالقوي، ليبدأ مشواراً تربوياً لم يكن مجرد وظيفة، بل رسالة حملها بإخلاص ومسؤولية.
وفي عام 1974م، تولى إدارة مدرسة الشهيد فضل حمزة الذراحن، ثم عاد ليعمل نائباً لمدير مدرسة الشهيد عبدالقوي خلال الفترة 1975–1976م.
ومن عام 1977م حتى عام 1986م، تولى إدارة مدرسة الشهيد عبدالقوي محمد ، وهي سنوات حافلة بالعمل التربوي والإداري، شهدت حضوره المتميز في قيادة المدرسة، وترسيخ الانضباط والجدية والاهتمام بالعملية التعليمية.
وفي عام 1987م، انتقل إلى موقع مسؤولية أوسع، حيث عُيّن مديراً لمكتب التربية والتعليم بمديرية المفلحي، واستمر في أداء مهامه حتى عام 1994م، حين أُحيل إلى التقاعد قسرياً عقب حرب صيف 1994م، التي تركت آثاراً مؤلمة على كثير من الكوادر الوطنية والتربوية الجنوبية
:
من التربية والتعليم إلى خدمة المجتمع
لم تكن الإحالة إلى التقاعد نهاية لمسيرة العطاء لدى الأستاذ عبدالقوي، فقد ظل حاضراً في خدمة مجتمعه، وفي عام 1995م التحق بلجنة كهرباء المفلحي، وتولى مهام الأمين المالي، مواصلاً أداء دوره بكل أمانة ومسؤولية.
وفي عام 2003م، تولى إدارة كهرباء المفلحي، واستمر في هذا الموقع حتى عام 2011م، ليضيف إلى سجله الحافل تجربة أخرى في العمل الإداري والخدمي.
كما حصل على شهادة البكالوريوس في التاريخ من جامعة صنعاء، ليجمع بين الخبرة التربوية والإدارية والتأهيل الأكاديمي.
شخصية تربوية لا تغيب عن ذاكرة الأجيال
حين نتحدث عن الأستاذ عبدالقوي حسين قاسم، فإننا لا نتحدث عن سيرة وظيفية فحسب، بل عن شخصية تركت أثراً عميقاً في نفوس طلابها وكل من عرفها.
ما زلنا نتذكره ونحن صغار، نتذكر هيبته وحزمه وشدته في تطبيق النظام، وفي الوقت نفسه نتذكر طيبة قلبه وحسن تعامله وحرصه على مصلحة الطلاب.
كان من أولئك التربويين الذين يؤمنون بأن المدرسة ليست مكاناً للتعليم فقط، بل مؤسسة لبناء الشخصية وغرس القيم وتعليم الأجيال معنى الالتزام والانضباط واحترام المسؤولية.
لقد جمع بين الهيبة والطيبة، وبين الحزم والإنسانية، وهي صفات قلما تجتمع في شخصية واحدة.
ولعل أجمل ما يميز مسيرته أن محبته لم تقتصر على طلاب مدرسة بعينها، بل امتدت إلى مختلف قرى ومناطق المفلحي، حيث يحظى بتقدير واحترام كل من عرفه أو تعامل معه.
كلمة وفاء واعتزاز
إن الوفاء للرجال الذين أفنوا أعمارهم في خدمة التعليم والمجتمع ليس مجرد كلمات ثناء، بل هو اعتراف بجميلهم وتقدير لما قدموه من جهود وتضحيات.
والأستاذ عبدالقوي حسين قاسم واحد من تلك القامات التربوية التي تستحق أن تُروى سيرتها للأجيال، وأن يُشار إليها بكل فخر واعتزاز.
فالأوطان والمجتمعات لا تنهض إلا بسواعد المخلصين، ولا تحفظ ذاكرتها إلا بالوفاء لمن صنعوا فيها أثراً طيباً.
أستاذنا الفاضل عبدالقوي حسين قاسم، ستبقى حاضراً في ذاكرتنا، وستظل سنوات عطائك شاهدة على مسيرة رجلٍ جعل من العمل رسالة، ومن المسؤولية أمانة، ومن خدمة الناس نهجاً في حياته.
أطال الله في عمرك، وأسبغ عليك موفور الصحة والعافية، وجزاك عن أجيالٍ تعلمت على يديك، وعن مجتمعٍ خدمتَه بإخلاص، خير الجزاء.
ستبقى قامة تربوية شامخة، ووجهاً من وجوه الوفاء، واسمًا محفوراً في ذاكرة المفلحي وأبنائها.
















