على وقع المتغيرات الإقليمية المتسارعة، تتكشف ملامح تحرك سياسي وإداري منظم يسعى إلى إعادة إنتاج سياسات الماضي التي استهدفت الجنوب بعد حرب 1994، من خلال إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق حسابات سياسية، وإقصاء القيادات الجنوبية الفاعلة، في محاولة لإعادة فرض معادلة الهيمنة التي لفظها الجنوبيون بتضحياتهم.
ويرى متابعون للشأن الجنوبي أن سلسلة القرارات الأخيرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق السياسي العام، خصوصًا مع اقتراب استحقاقات سياسية مصيرية تتعلق بمستقبل القضية الجنوبية، وهو ما يدفع إلى الاعتقاد بأن هناك مساعي لإعادة ترتيب المشهد بما يخدم قوى لا تزال تنظر إلى الجنوب بعقلية الهيمنة المركزية التي سادت خلال العقود الماضية.
ويؤكد مراقبون أن الجنوب دفع ثمنًا باهظًا بعد حرب صيف 1994، عندما جرى تفكيك مؤسساته وإقصاء كوادره وفرض واقع سياسي وإداري استمر لسنوات، قبل أن يعيد الجنوبيون في حرب 2015 رسم موازين القوة بتضحيات جسيمة مكّنتهم من استعادة الأمن وبناء مؤسساتهم الوطنية. لذلك، فإن أي محاولات تستهدف القيادات الجنوبية اليوم تُقرأ باعتبارها محاولة للالتفاف على نتائج تلك التضحيات، وإعادة إحياء سياسات أثبت التاريخ أنها لم تُنتج سوى الصراع وعدم الاستقرار.
وفي المقابل، شهد الجنوب خلال السنوات الأخيرة بناء منظومة أمنية وعسكرية تمكنت من تحقيق نجاحات ملموسة في مواجهة التنظيمات الإرهابية، وتعزيز الأمن في عدد من المحافظات، إلى جانب حماية المنشآت الحيوية وخطوط الملاحة والمنافذ الاستراتيجية، وهو ما منح تلك المؤسسات حضورًا واسعًا في الوعي الشعبي.
ويرى مراقبون أن استهداف القيادات الجنوبية اليوم التي ارتبطت بهذه النجاحات قد ينعكس على مستوى الاستقرار، خاصة في ظل التحديات الأمنية والسياسية التي تمر بها المنطقة، مؤكدين أن الحفاظ على المؤسسات الفاعلة يمثل ضرورة لضمان استمرار الأمن وحماية المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الماضية.
وفي الجانب السياسي، تتزايد الدعوات الجنوبية إلى تحصين الجبهة الداخلية، ورفض أي محاولات لإحداث انقسامات أو خلق صراعات جانبية تستنزف الجهد الوطني، خصوصًا مع استمرار الأطراف المناهضة للمشروع الجنوبي في استخدام وسائل سياسية وإعلامية مختلفة لإضعاف الموقف الجنوبي.
ويؤكد متابعون أن قوة الجنوب لم تعد ترتبط فقط بالقدرات العسكرية، وإنما أيضًا بحالة الوعي الشعبي التي تشكلت نتيجة تراكم التجارب، حيث بات المواطن الجنوبي أكثر إدراكًا لطبيعة الصراع، وأكثر قدرة على التمييز بين الإجراءات الإدارية الطبيعية والخطوات التي تحمل أبعادًا سياسية تستهدف إعادة إنتاج واقع تجاوزه الزمن.
كما تشير القراءة السياسية إلى أن الجنوب اليوم يمتلك معطيات تختلف بصورة كبيرة عن المراحل السابقة، سواء من حيث الحضور الشعبي أو امتلاك مؤسسات أمنية وعسكرية فاعلة، إضافة إلى وجود قيادة سياسية تحمل مشروعًا معلنًا يحظى بتأييد شريحة واسعة من أبناء الجنوب، وهو ما يجعل أي محاولات للعودة إلى أساليب الماضي أكثر تعقيدًا وأقل قدرة على تحقيق أهدافها.
ويرى مختصون أن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز التماسك الوطني، والحفاظ على المؤسسات، ودعم الكفاءات الجنوبية، باعتبارها عناصر أساسية في أي مشروع لبناء دولة مستقرة وقادرة على حماية مصالح مواطنيها، بعيدًا عن سياسات الإقصاء أو إعادة تدوير الأزمات التي أثبتت التجارب فشلها.
وفي ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، يواصل الشارع الجنوبي التأكيد على أن مستقبل الجنوب يجب أن يُبنى وفق إرادة أبنائه، وأن أي تسويات أو ترتيبات سياسية لا تراعي تطلعات المواطنين وحقهم في رسم مستقبلهم لن تحقق استقرارًا دائمًا، بل ستعيد إنتاج أسباب الصراع التي عانى منها الجنوب لسنوات طويلة.
وتبقى الرسالة الأبرز التي يبعث بها المشهد الجنوبي اليوم، بحسب مراقبين وسياسيين، أن مرحلة فرض الوقائع بالقوة أو تجاوز الإرادة الشعبية لم تعد قابلة للتكرار، وأن الحفاظ على الاستقرار يتطلب احترام خصوصية القضية الجنوبية، والتعامل معها باعتبارها قضية سياسية لها جذورها وتضحياتها واستحقاقاتها، لا مجرد ملف إداري يمكن تجاوزه بقرارات أو إجراءات مؤقتة.















