تقرير تحليلي – موسى المليكي.
لم تعد الحرب في اليمن تقتصر على خطوط التماس التي تتغير على الخرائط العسكرية؛ فقد بدأت ترسم خريطة جديدة من النزوح والفقر والخوف، تمتد من قرى الساحل الغربي إلى مدن تعز ولحج وعدن، وتتجاوز البحر الأحمر لتصل إلى سواحل جيبوتي.
وفي غضون ثلاثة أسابيع فقط، أجبرت موجة التصعيد الأخيرة قرابة 130 ألف يمني على مغادرة منازلهم، بينهم نحو 71 ألف طفل، وفق أحدث إفادة لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» في 25 سبتمبر/أيلول. وتقول المنظمة إن غالبية هؤلاء النازحين تركزوا في محافظة تعز جنوب غربي اليمن، حيث تعجز عائلات كثيرة عن الوصول إلى مناطق أكثر أمناً بسبب القتال وإغلاق الطرق ونقص وسائل النقل.
لكن الرقم، على ضخامته، لا يحكي القصة كاملة.
فخلف كل رقم أسرة فقدت بيتاً أو مصدر دخل، وطفل انقطع عن مدرسته، وأم تبحث عن الماء والدواء، وعائلة قد تكون نزحت للمرة الثانية أو الثالثة أو حتى السادسة خلال سنوات الحرب.
من بيت إلى خيمة.. ومن خيمة إلى طريق مجهول
أخطر ما تكشفه موجة النزوح الجديدة أنها لا تضرب سكاناً يعيشون للمرة عرب تايمى تجربة الاقتلاع، بل تضرب مجتمعاً أنهكته سنوات النزوح المتكرر.
وتقول «يونيسف» إن بعض الأسر التي فرّت أخيراً سبق أن نزحت مرات عدة، وإن بعض العائلات وصلت إلى مناطق الاستقبال بعدما فقدت منازلها وممتلكاتها ومصادر رزقها. وتصف المنظمة النزوح بأنه لا يسلب الناس مساكنهم فقط، بل ينتزع منهم سبل العيش والاستقلال والاستقرار والقدرة على معرفة ما إذا كان الغد سيشبه اليوم.
وفي واحدة من أكثر الصور دلالة على عمق الأزمة، تحدثت «يونيسف» عن طفل في الرابعة من عمره، فرّت أسرته من العنف في مديرية المخا وتركت خلفها المنزل والممتلكات، بينما كان الطفل يعاني سوء تغذية حاداً.
هذه ليست مأساة منفصلة.
ففي الأسابيع الأخيرة، فحصت فرق التغذية المتنقلة التابعة لليونيسف نحو 2,900 طفل في المناطق التي أمكن الوصول إليها بأمان، وتبين أن أكثر من ربع الأطفال الذين خضعوا للفحص يعانون سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من 200 حالة من سوء التغذية الحاد الوخيم.
وبذلك تتقاطع ثلاث أزمات في لحظة واحدة: الحرب والنزوح والجوع.
تعز.. مركز الثقل في موجة النزوح
تكشف بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة حجم الضغط الواقع على تعز ومحيطها.
فخلال الفترة من 1 إلى 16 سبتمبر/أيلول، سجلت المنظمة نزوح نحو 109,356 شخصاً، فيما بلغ إجمالي النازحين المسجلين منذ بدء التصعيد في يونيو/حزيران نحو 112,818 شخصاً. واستحوذت تعز على نحو 57% من حالات النزوح المسجلة، باستضافة أكثر من 64 ألف شخص، تلتها لحج بأكثر من 30 ألفاً.
وكانت الأرقام قبل ذلك بأيام أقل، ما يكشف سرعة تطور الأزمة؛ إذ سجلت المنظمة خلال الفترة من 1 إلى 15 سبتمبر نحو 101,208 نازحين، من بينهم 63,624 شخصاً في تعز و26,364 في لحج.
وفي أحدث إحاطة أممية في 25 سبتمبر، قالت المنظمة الدولية للهجرة إن العدد داخل اليمن بلغ نحو 134 ألف شخص حتى 22 سبتمبر، مع وجود تفاوت بين أرقام الوكالات الأممية نتيجة اختلاف توقيت الرصد وآليات التحديث في أزمة شديدة السيولة.
وهذا التفاوت لا يعني أن الأزمة مبالغ فيها؛ بل يعكس مشكلة أخرى: الناس تتحرك أسرع من قدرة فرق الرصد على تسجيل حركتهم.
أرقام تتغير.. ومأساة لا تنتظر
الأرقام المتداولة خلال سبتمبر تراوحت بين أكثر من 104 آلاف نازح، ثم أكثر من 112 ألفاً، ثم قرابة 130 ألفاً، وصولاً إلى 134 ألفاً في بعض التحديثات اللاحقة.
والسبب ليس بالضرورة تناقضاً في البيانات، وإنما اختلاف الفترات الزمنية ونطاق التغطية ومواعيد تحديث قواعد البيانات.
فالمنظمة الدولية للهجرة سجلت 104,796 شخصاً من 17,461 أسرة منذ بدء التصعيد في يونيو وحتى 15 سبتمبر، ثم ارتفع العدد في تحديثات لاحقة مع استمرار النزوح.
أما «يونيسف»، ففي 25 سبتمبر تحدثت عن قرابة 130 ألف شخص أُجبروا على النزوح خلال ثلاثة أسابيع، بينهم 71 ألف طفل.
لذلك، فإن الرقم الأكثر دقة صحفياً ليس رقماً واحداً جامداً، بل القول إن النزوح تجاوز عتبة 130 ألف شخص خلال موجة التصعيد الأخيرة وفق أحدث البيانات الأممية، مع استمرار ارتفاع الأعداد.
عندما يصبح البحر طريقاً للنجاة
وللمرة عرب تايمى بهذه الكثافة، لم يعد الهروب مقتصراً على الطرق البرية داخل اليمن.
عبر البحر الأحمر، بدأت عائلات يمنية تعبر باتجاه جيبوتي، في رحلة تحمل مخاطرها الخاصة، بحثاً عن منطقة أكثر أمناً.
وبحلول 16 سبتمبر، سجلت السلطات الجيبوتية وصول 2,776 شخصاً إلى منطقة أوبوخ شمال البلاد منذ بدء موجة التصعيد الجديدة. وكان معظم الوافدين من النساء والأطفال، بحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان.
الرقم له دلالة تتجاوز حجمه.
فـ2,776 شخصاً وصلوا إلى منطقة يبلغ عدد سكان مدينة أوبوخ نفسها نحو ثلاثين ألف نسمة تقريباً، ما يعني أن موجة الوصول الجديدة فرضت خلال أيام قليلة ضغطاً إضافياً على منطقة محدودة الموارد والخدمات.
وأشارت الأمم المتحدة إلى أن الوافدين الجدد يمثلون أكثر من 9% من سكان مدينة أوبوخ، الأمر الذي يهدد بزيادة الضغط على الخدمات الأساسية ما لم تحصل المنطقة على دعم إضافي.
وفي موقع ماركازي، سجل العاملون الصحيون أربع ولادات خلال 48 ساعة بين الوافدين الجدد، فيما جرى تحديد امرأتين أخريين حاملين بحاجة إلى الرعاية.
وهكذا، عبرت الحرب البحر مع الأسر اليمنية.
وصلت الأمهات بأطفالهن، ووصلت الحوامل بحثاً عن رعاية صحية، ووصلت عائلات لا تعرف ماذا ينتظرها في الطرف الآخر من البحر.
أزمة مساعدات.. والفجوة أكبر من قدرة الاستجابة
المشكلة لا تتوقف عند عدد النازحين.
فالسؤال الأخطر هو: من يستطيع الوصول إليهم؟
بيانات الاستجابة الإنسانية التي رصدتها الأمم المتحدة في وقت مبكر من موجة التصعيد أظهرت فجوة حادة بين حجم الاحتياج وما أمكن تقديمه.
فمن أصل 11 ألف أسرة مستهدفة بالمساعدة في مجال المأوى، لم تصل المساعدة إلا إلى 147 أسرة في ذلك التحديث.
وفي الغذاء، حصلت 1,554 أسرة فقط على المساعدة من أصل 6,144 أسرة جرى تحديدها ضمن الاحتياج الطارئ. كما واجهت فرق الإغاثة صعوبات في الوصول بسبب تضرر الطرق والقيود الأمنية ونقص التمويل.
هذه الأرقام تكشف أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار القتال، وإنما في اتساع المسافة بين سرعة النزوح وسرعة الاستجابة.
فكل يوم إضافي من الحرب يعني مزيداً من الأسر التي تحتاج إلى مأوى، وماء، وغذاء، ورعاية صحية، وحماية، بينما تتحرك منظومة المساعدات تحت قيود التمويل والوصول والأمن.
النازحون الذين لا يظهرون في الإحصاءات
هناك جانب آخر أكثر خفاءً.
بعض الأسر لا تصل إلى مخيمات رسمية، ولا تظهر بسهولة في قواعد بيانات مواقع النزوح. بعضها يقيم لدى أقارب أو أسر مضيفة، وبعضها يستقر في تجمعات عشوائية، وبعضها يتحرك باستمرار بحثاً عن مكان أقل خطراً.
ولهذا حذرت التقارير الإنسانية من أن البيانات عرب تايمية قد لا تعكس كامل حجم الأزمة، كما أن بعض الأرقام المبكرة قد تتضمن ازدواجية في التسجيل.
لكن هذه الثغرات الإحصائية لا تعني أن الاحتياجات أقل؛ بل ربما تعني العكس.
فالأسرة التي لا تظهر في سجل مخيم لا تتوقف عن الحاجة إلى الغذاء والماء والدواء والمأوى.
مجتمع مضيف يدفع ثمن الحرب أيضاً
كل موجة نزوح تخلق أزمة مزدوجة: أزمة النازحين وأزمة المجتمعات التي تستقبلهم.
تعز، ولحج، وعدن ومناطق أخرى لا تستقبل النازحين في فراغ؛ بل تستقبلهم في بيئات تعاني أصلاً من ضعف الخدمات وارتفاع الاحتياجات الإنسانية.
وحين تصل آلاف الأسر إلى منطقة محدودة الموارد، يصبح الماء والغذاء والرعاية الصحية والتعليم والخدمات البلدية تحت ضغط إضافي.
ولهذا فإن التعامل مع النزوح باعتباره مشكلة النازحين وحدهم خطأ في فهم طبيعة الأزمة.
إن حماية النازح تبدأ أيضاً بدعم الأسرة والمجتمع الذي فتح له بابه.
الطفل هو الرقم الأكثر قسوة
إذا كان هناك رقم واحد يختصر حجم المأساة، فهو ليس 130 ألفاً.
إنه 71 ألف طفل.
طفل يترك المدرسة لأن أسرته هربت.
وطفلة تنام في خيمة بدلاً من منزلها.
وطفل يبحث عن الطعام بينما أسرته تبحث عن مكان آمن.
وطفل يعاني سوء التغذية في وقت يفترض أن يكون فيه داخل مدرسة أو مستشفى أو بيت آمن.
وتقول «يونيسف» إن أكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة في اليمن معرضون لسوء التغذية الحاد خلال عام 2026، بينهم أكثر من نصف مليون حالة متوقعة من سوء التغذية الحاد الوخيم.
وهذا يعني أن موجة النزوح الحالية لا تبدأ من الصفر؛ إنها تضرب مجتمعاً هشاً أصلاً.
من النزوح الطارئ إلى النزوح المزمن
الخطر الحقيقي ليس فقط أن يفرّ الناس اليوم.
الخطر أن لا يجدوا طريق العودة غداً.
فإذا استمر القتال أو تجمدت خطوط المواجهة لفترة طويلة، فقد يتحول النزوح المؤقت إلى وضع دائم، وتتحول الخيام إلى مساكن طويلة الأمد، ويتحول الانقطاع عن المدرسة إلى تسرب دائم، ويتحول فقدان مصدر الدخل إلى فقر مزمن.
وهنا تتحول الحرب من معركة على الأرض إلى معركة على مستقبل جيل كامل.
الأسر التي تفقد منزلها يمكن أن تعيد بناءه يوماً ما.
لكن الطفل الذي يفقد سنوات التعليم، أو يصاب بسوء التغذية، أو يعيش طفولته كاملة في حالة نزوح، قد يحمل آثار الحرب معه لعقود.
الساحل الغربي.. والأزمة التي تجاوزت الحدود
ما يحدث في الساحل الغربي لم يعد شأناً محلياً محضاً.
فحين يدفع التصعيد آلاف اليمنيين إلى عبور باب المندب، تصبح تداعيات الحرب ممتدة إلى الضفة الأخرى من البحر الأحمر.
وقد بدأت جيبوتي بالفعل تواجه ضغوطاً متزايدة في أوبوخ ومركز ماركازي، بينما دعت الجهات الأممية إلى تعزيز قدرات الاستجابة ودعم المجتمعات المستضيفة.
وبذلك تتحول جغرافيا الحرب إلى دائرة أوسع:
قرية يمنية تُقصف، أسرة تهرب، طريق يُغلق، ميناء أو ساحل يصبح نقطة عبور، قارب يعبر البحر، ومجتمع فقير في دولة أخرى يستقبل الناجين.
هذه هي السلسلة الإنسانية التي صنعتها الحرب.
ما الذي ينبغي فعله؟
لم يعد المطلوب مجرد إصدار نداءات جديدة.
المطلوب أولاً فتح ممرات آمنة لوصول المساعدات الإنسانية، خصوصاً إلى المناطق التي تستقبل أكبر أعداد النازحين.
وثانياً، توفير دعم عاجل للمجتمعات المضيفة، حتى لا تتحول استضافة النازحين إلى عبء يؤدي إلى توترات اجتماعية واقتصادية إضافية.
وثالثاً، وضع الأطفال في صدارة الاستجابة، عبر توفير الغذاء العلاجي والرعاية الصحية والحماية والتعليم المؤقت واستعادة الخدمات التعليمية بأسرع وقت ممكن.
ورابعاً، تعزيز قدرات الرصد والتسجيل، لأن الأسر غير المسجلة هي الأسر الأكثر عرضة لأن تسقط من حسابات المساعدة.
وخامساً، دعم جيبوتي في الاستجابة للوافدين الجدد، خصوصاً في أوبوخ والمواقع التي تستقبل النساء والأطفال.
اليمن أمام اختبار جديد
اليمن لا يواجه اليوم مجرد موجة نزوح جديدة.
إنه يواجه اختباراً لقدرة المجتمع الدولي والجهات المحلية والإقليمية على منع موجة طوارئ إنسانية من التحول إلى أزمة ممتدة.
أكثر من 130 ألف شخص في ثلاثة أسابيع ليسوا مجرد رقم في تقرير أممي.
إنهم أحياء أُفرغت من سكانها، ومدارس فقدت طلابها، وأسر فقدت مصادر دخلها، وأطفال يحملون آثار الحرب قبل أن تتاح لهم فرصة اختيار مستقبلهم.
وعلى الضفة الأخرى من البحر، في أوبوخ، لا تصل قوارب تحمل لاجئين فقط؛ إنها تحمل رسالة واضحة: حين تضيق مساحة الأمان داخل اليمن، يصبح البحر نفسه خياراً للنجاة.
وإذا استمر التصعيد، فإن السؤال لن يكون فقط: كم شخصاً نزح؟
بل سيكون السؤال الأصعب:
كم عائلة أخرى ستضطر إلى الرحيل، وكم طفلاً آخر سيدفع ثمن حرب لم يخترها، وإلى أي مدى يمكن أن تمتد خريطة النزوح قبل أن تصبح العودة إلى البيت حلماً بعيداً؟
ملاحظة تحريرية: استخدمتُ 130 ألفاً و71 ألف طفل باعتبارهما أحدث تقدير أممي منشور في 25 سبتمبر، بدلاً من تثبيت رقم 131 ألفاً و57 ألف طفل الوارد في النص الأصلي؛ كما أدرجت تفاوت أرقام المنظمة الدولية للهجرة واليونيسف بوضوح حتى لا يبدو التقرير وكأنه يجمع أرقاماً من فترات رصد مختلفة.

















